💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ , وَابْن طَاوُس اِسْمه عَبْد اللَّه. وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُولَى هُنَا , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ. قَوْله : ( أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن ) هُوَ اِبْن هُرْمُز الْأَعْرَجُ. قَوْله : ( مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ ) وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَادِ " مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ " قَالَ عِيَاض : وَهُوَ وَهْمٌ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ مُقَابِله لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. قُلْت قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيّ وَأَحْمَد وَابْن أَبِي عُمَر وَغَيْرهمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالُوا فِي رِوَايَتِهِمْ " مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ " كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَهُوَ الصَّوَابُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم عَنْ طَاوُس " ضَرَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ " أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ. قَوْله : ( عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة , وَمَنْ رَوَاهُ فِيهَا بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ , وَكَذَا رِوَايَة الْحَسَن بْن مُسْلِم , وَرَوَاهُ حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان الْجُمَحِيّ عَنْ طَاوُس بِالنُّونِ وَرُجِّحَتْ لِقَوْلِهِ " مِنْ حَدِيدٍ " وَالْجُنَّةِ فِي الْأَصْلِ الْحِصْن , وَسُمِّيَتْ بِهَا الدِّرْع لِأَنَّهَا تُجِنُّ صَاحِبهَا أَيْ : تُحَصِّنُهُ , وَالْجُبَّة بِالْمُوَحَّدَةِ ثَوْب مَخْصُوص , وَلَا مَانِعَ مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدِّرْعِ. وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا. قَوْله : ( مِنْ ثُدَيِّهِمَا ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة جَمْعُ ثَدْي , وَ ( تَرَاقِيهِمَا ) بِمُثَنَّاة وَقَاف جَمْع تَرْقُوَة. قَوْله : ( سَبَغَتْ ) أَيْ : اِمْتَدَّتْ وَغَطَّتْ. قَوْله : ( أَوْ وَفَرَتْ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَهُوَ بِتَخْفِيف الْفَاء مِنْ الْوُفُورِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم " اِنْبَسَطَتْ " وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ " اِتَّسَعَتْ عَلَيْهِ " وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة. قَوْله : ( حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ ) أَيْ : تَسْتُرُ أَصَابِعه , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ " حَتَّى تُجِنَّ " بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ بِمَعْنَى تُخْفِي , وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ كَرِوَايَة الْحُمَيْدِيّ , وَبَنَانه بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة : الْإِصْبَعُ , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ " ثِيَابه " بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَة وَهُوَ تَصْحِيف. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم " حَتَّى تُغَشِّي - بِمُعْجَمَتَيْنِ - أَنَامِله ". قَوْله : ( وَتَعْفُو أَثَره ) بِالنَّصْبِ أَيْ : تَسْتُرُ أَثَره , يُقَالُ : عَفَا الشَّيْءُ وَعَفَوْتُهُ أَنَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ , وَيُقَالُ : عَفَتْ الدَّار إِذَا غَطَّاهَا التُّرَاب , وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَسْتُرُ خَطَايَاهُ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْب الَّذِي يَجُرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَر صَاحِبِهِ إِذَا مَشَى بِمُرُورِ الذَّيْل عَلَيْهِ. قَوْله : ( لَزِقَتْ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِم " اِنْقَبَضَتْ " وَفِي رِوَايَةِ هَمَّام " غَاصَتْ كُلّ حَلْقَة مَكَانهَا " وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَان عِنْد مُسْلِم " قَلَصَتْ " وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم عِنْدَ الْمُصَنِّفِ , وَالْمُفَاد وَاحِد لَكِنَّ الْأُولَى نَظَرَ فِيهَا إِلَى صُورَة الضِّيق وَالْأَخِيرَة نَظَرَ فِيهَا إِلَى سَبَبِ الضِّيقِ. وَزَعَمَ اِبْن التِّينِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبَخِيلَ يُكْوَى بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , قَالَ الْخَطَّابِيّ وَغَيْره : وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ , فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ , فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسهَا , وَالدُّرُوعِ أَوَّل مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَان يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا , فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَة فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " حَتَّى تَعْفُوَ أَثَره " أَيْ : تَسْتُرُ جَمِيع بَدَنِهِ. وَجُعِلَ الْبَخِيل كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ , كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسهَا اِجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَته , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " قَلَصَتْ " أَيْ : تَضَامَنَتْ وَاجْتَمَعَتْ , وَالْمُرَاد أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ اِنْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسه فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ , وَالْبَخِيل إِذَا حَدَّثَ نَفْسه بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسه فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسَهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ). وَقَالَ الْمُهَلَّب : الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ الْمُنْفِقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , بِخِلَافِ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَفْضَحُهُ. وَمَعْنَى تَعْفُو أَثَره تَمْحُو خَطَايَاهُ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَائِن. قَالَ : وَقِيلَ هُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ , وَالْبُخْلِ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ , وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى اِنْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ , وَإِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَة. وَقَالَ الطِّيبِيّ : قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِنْ جِبِلَّة الْإِنْسَان , وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّق مَوْقِع السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِع وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ. قَوْله : ( فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ ) , وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَان عِنْدَ مُسْلِم " قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ " وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَة فِي طَرِيقِ طَاوُس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : فَفِي رِوَايَةِ اِبْن طَاوُس عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ " فَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَلَا تَتَّسِعَ " وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم " فَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَذَكَرَهُ , وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم عِنْدَهُمَا " فَأَنَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْته يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ " وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي الْحَدِيثِ " وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اِسْتِحْكَامًا " وَهَذَا بِالْمَعْنَى. قَوْله : ( تَابَعَهُ الْحَسَن بْن مُسْلِم عَنْ طَاوُس ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِهِ. قَوْله : ( وَقَالَ حَنْظَلَة عَنْ طَاوُس ) ذَكَرَهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِلَفْظ " وَقَالَ حَنْظَلَة سَمِعْت طَاوُسًا سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة " وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق الْأَزْرَقِ عَنْ حَنْظَلَة. قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْثَ حَدَّثَنِي جَعْفَر ) هُوَ اِبْنُ رَبِيعَة , وَابْن هُرْمُز هُوَ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَجُ , وَلَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَة اللَّيْث مَوْصُولَة إِلَى الْآنَ , وَقَدْ رَأَيْته عَنْهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْن حَمَّاد عَنْ اللَّيْثِ عَنْ اِبْن عَجْلَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ.