" مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ "
" مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " .
(عاد عبيد الله) أي زاره في مرض موته. وكان عبيد الله، إذ ذاك، أمير البصرة لمعاوية. (يسترعيه الله رعية) يعني يفوض إليه رعاية رعية. وهي بمعنى المرعية. وقوله يموت، خبر ما. وغش الراعي الرعية تضييعه ما يجب عليه في حقهم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ عَبْد يَسْتَرْعِيه اللَّه رَعِيَّة يَمُوت يَوْم يَمُوت وَهُوَ غَاشّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( مَا مِنْ أَمِير يَلِي أَمْر الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَد لَهُمْ وَيَنْصَح إِلَّا لَمْ يَدْخُل مَعَهُمْ الْجَنَّة ). أَمَّا فِقْه الْحَدِيث فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة ) فِيهِ التَّأْوِيلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي نَظَائِره أَحَدهمَا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْمُسْتَحِلّ , وَالثَّانِي حَرَّمَ عَلَيْهِ دُخُولهَا مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ وَمَعْنَى التَّحْرِيم هُنَا الْمَنْع. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ بَيِّن فِي التَّحْذِير مِنْ غِشّ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ قَلَّدَهُ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْرهمْ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ وَنَصَبَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينهمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ , فَإِذَا خَانَ فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَح فِيمَا قُلِّدَهُ إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفهمْ مَا يَلْزَمهُمْ مِنْ دِينهمْ , وَأَخْذهمْ بِهِ , وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّن عَلَيْهِ مِنْ حِفْظ شَرَائِعهمْ وَالذَّبّ عَنْهَا لِكُلِّ مُتَصَدٍّ لِإِدْخَالِ دَاخِلَة فِيهَا أَوْ تَحْرِيف لِمَعَانِيهَا أَوْ إِهْمَال حُدُودهمْ , أَوْ تَضْيِيع حُقُوقهمْ , أَوْ تَرْك حِمَايَة حَوْزَتهمْ , وَمُجَاهَدَة عَدُوّهِمْ , أَوْ تَرْك سِيرَة الْعَدْل فِيهِمْ , فَقَدْ غَشَّهُمْ قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر الْمُوبِقَة الْمُبْعِدَة عَنْ الْجَنَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْل مَعْقِل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِعُبَيْدِ اللَّه بْن زِيَاد : ( لَوْ عَلِمْت أَنَّ لِي حَيَاة مَا حَدَّثْتُك ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْت لَمْ أُحَدِّثك ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ عَلِمَ قَبْل هَذَا أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَنْفَعهُ الْوَعْظ كَمَا ظَهَرَ مِنْهُ مَعَ غَيْره ثُمَّ خَافَ مَعْقِل مِنْ كِتْمَان الْحَدِيث وَرَأَى تَبْلِيغه أَوْ فِعْله لِأَنَّهُ خَافَهُ لَوْ ذَكَرَهُ فِي حَيَاته لِمَا يُهَيِّج عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث وَيُثْبِتهُ فِي قُلُوب النَّاس مِنْ سُوء حَاله. هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَالِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الظَّاهِر , وَالْأَوَّل ضَعِيف ; فَإِنَّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر لَا يَسْقُط بِاحْتِمَالِ عَدَم قَبُوله. وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَفِيهِ شَيْبَانُ عَنْ أَبِي الْأَشْهَب عَنْ الْحَسَن عَنْ مَعْقِل بْن يَسَار رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ وَ ( فَرُّوخ ) غَيْر مَصْرُوف لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا تَقَدَّمَ مَرَّات. وَ ( أَبُو الْأَشْهَب ) اِسْمه جَعْفَر بْن حَيَّان بِالْمُثَنَّاةِ الْعُطَارِدِيُّ السَّعْدِيّ الْبَصْرِيّ.
" مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ "
أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ اشْتَكَى فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ يَعْنِي يَعُودُهُ فَقَالَ أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَ بِهِ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَسْتَرْعِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدًا رَعِيَّةً فَيَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ لَهَا غَاشٌّ إِلَّ…
أَيُّمَا رَاعٍ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَغَشَّهَا فَهُوَ فِي النَّارِ
" مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهْوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ".
" مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلاَّ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ".
