💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ ) فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْ الْإِسْمَاعِيلِيّ " حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ ". قَوْله ( حَتَّى تَضْطَرِب ) أَيْ يَضْرِب بَعْضُهَا بَعْضًا. قَوْله ( أَلَيَات ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَاللَّام جَمْع أَلْيَة بِالْفَتْحِ أَيْضًا مِثْل جَفْنَة وَجَفَنَات , وَالْأَلْيَةُ الْعَجِيزَة وَجَمْعهَا أَعْجَاز. قَوْله ( عَلَى ذِي الْخَلَصَة ) فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْدَ مُسْلِم " حَوْل ذِي الْخَلَصَة ". قَوْله ( وَذُو الْخَلَصَة طَاغِيَة دَوْس ) أَيْ صَنَمُهُمْ , وَقَوْله " الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ " كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر " وَكَانَ صَنَمًا تَعْبُدهَا دَوْس ". قَوْله ( فِي الْجَاهِلِيَّة ) زَادَ مَعْمَر " بِتَبَالَةَ " وَتَبَالَة بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَبَعْدَ الْأَلِف لَام ثُمَّ هَاء تَأْنِيث قَرْيَة بَيْنَ الطَّائِف وَالْيَمَن بَيْنَهُمَا سِتَّة أَيَّام , وَهِيَ الَّتِي يُضْرَب بِهَا الْمَثَل فَيُقَال " أَهْوَن مِنْ تَبَالَة عَلَى الْحَجَّاج " وَذَلِكَ أَنَّهَا أَوَّل شَيْء وَلِيَهُ , فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا سَأَلَ مَنْ مَعَهُ عَنْهَا فَقَالَ : هِيَ وَرَاء تِلْكَ الْأَكَمَة. فَرَجَعَ فَقَالَ : لَا خَيْر فِي بَلَد يَسْتُرُهَا أَكَمَة , وَكَلَام صَاحِب " الْمَطَالِع " يَقْتَضِي أَنَّهُمَا مَوْضِعَانِ : وَأَنَّ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث غَيْر تَبَالَة الْحَجَّاج , وَكَلَام يَاقُوت يَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرهَا فِي " الْمُشْتَرَك " وَعِنْدَ اِبْن حِبَّان مِنْ هَذَا الْوَجْه : قَالَ مَعْمَر أَنَّ عَلَيْهِ الْآنَ بَيْتًا مَبْنِيًّا مُغْلَقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط ذِي الْخَلَصَة فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي أَنَّهُ وَاحِد أَوْ اِثْنَانِ. قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ الْإِخْبَار بِأَنَّ نِسَاء دَوْس يَرْكَبْنَ الدَّوَابّ مِنْ الْبُلْدَان إِلَى الصَّنَم الْمَذْكُور , فَهُوَ الْمُرَاد بِاضْطِرَابِ أَلَيَاتهنَّ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُنَّ يَتَزَاحَمْنَ بِحَيْثُ تَضْرِب عَجِيزَة بَعْضهنَّ الْأُخْرَى عِنْدَ الطَّوَاف حَوْلَ الصَّنَم الْمَذْكُور. وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تُدَافَع مَنَاكِب نِسَاء بَنِي عَامِر عَلَى ذِي الْخَلَصَة " وَابْن عَدِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي مَعْشَر عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تُعْبَد اللَّاتَ وَالْعُزَّى " قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ أَنَّ الدِّين يَنْقَطِع كُلّه فِي جَمِيع أَقْطَار الْأَرْض حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء , لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْإِسْلَام يَبْقَى إِلَى قِيَام السَّاعَة , إِلَّا أَنَّهُ يَضْعُف وَيَعُود غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث " لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ " الْحَدِيث قَالَ : فَتَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص الْأَخْبَار الْأُخْرَى , وَأَنَّ الطَّائِفَة الَّتِي تَبْقَى عَلَى الْحَقّ تَكُون بِبَيْتِ الْمَقْدِس إِلَى أَنْ تَقُوم السَّاعَة. قَالَ فَبِهَذَا تَأْتَلِف الْأَخْبَار. قُلْت : لَيْسَ فِيمَا اِحْتَجَّ بِهِ تَصْرِيح إِلَى بَقَاء أُولَئِكَ إِلَى قِيَام السَّاعَة , وَإِنَّمَا فِيهِ " حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه " فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه مَا ذُكِرَ مِنْ قَبْض مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَظَوَاهِر الْأَخْبَار تَقْتَضِي أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِكَوْنِهِمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِس أَنَّ آخِرهمْ مَنْ كَانَ مَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , ثُمَّ إِذَا بَعَثَ اللَّه الرِّيح الطَّيِّبَة فَقَبَضَتْ رُوح كُلّ مُؤْمِن لَمْ يَبْقَ إِلَّا شِرَار النَّاس. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ " لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار النَّاس " وَذَلِكَ إِنَّمَا يَقَع بَعْدَ طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَخُرُوج الدَّابَّة وَسَائِر الْآيَات الْعِظَام , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَات الْعِظَام مِثْل السِّلْك إِذَا اِنْقَطَعَ تَنَاثَرَ الْخَرَز بِسُرْعَةٍ , وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَد وَفِي مُرْسَل أَبِي الْعَالِيَة " الْآيَات كُلّهَا فِي سِتَّة أَشْهُر " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي " ثَمَانِيَة أَشْهُر " وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِم عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَا يُشِير إِلَى بَيَان الزَّمَان الَّذِي يَقَع فِيهِ ذَلِكَ وَلَفْظه " لَا يَذْهَب اللَّيْل وَالنَّهَار حَتَّى تُعْبَد اللَّاتَ وَالْعُزَّى " وَفِيهِ " يَبْعَث اللَّه رِيحًا طَيِّبَة فَتَوَفَّى كُلّ مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْر فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِين آبَائِهِمْ " وَعِنْدَهُ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ " يَخْرُج الدَّجَّال فِي أُمَّتِي " الْحَدِيث وَفِيهِ " فَيَبْعَث اللَّه عِيسَى بْن مَرْيَم فَيَطْلُبهُ فَيُهْلِكهُ , ثُمَّ يَمْكُث النَّاس سَبْع سِنِينَ , ثُمَّ يُرْسِل اللَّه رِيحًا بَارِدَة مِنْ قِبَل الشَّام فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْه الْأَرْض أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَيْر أَوْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ " وَفِيهِ " فَيَبْقَى شِرَار النَّاس فِي خِفَّة الطَّيْر وَأَحْلَام السِّبَاع لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا , فَيَتَمَثَّل لَهُمْ الشَّيْطَان فَيَأْمُرهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَان , ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّوَر " فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه فِي حَدِيث " لَا تَزَال طَائِفَة " وُقُوع الْآيَات الْعِظَام الَّتِي يَعْقُبهَا قِيَام السَّاعَة وَلَا يَتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ رَفَعَهُ " لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِل آخِرهمْ الدَّجَّال " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم , وَيُؤْخَذ مِنْهُ صِحَّة مَا تَأَوَّلْته , فَإِنَّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الدَّجَّال يَكُونُونَ بَعْدَ قَتْله مَعَ عِيسَى , ثُمَّ يُرْسَل عَلَيْهِمْ الرِّيح الطَّيِّبَة فَلَا يَبْقَى بَعْدَهُمْ إِلَّا الشِّرَار كَمَا تَقَدَّمَ. وَوَجَدْت فِي هَذَا مُنَاظَرَة لِعُقْبَةَ بْن عَامِر وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ , فَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن شَمَّاسَة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ " لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار الْخَلْق هُمْ شَرّ مِنْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة , فَقَالَ عُقْبَة بْن عَامِر : عَبْد اللَّه أَعْلَم مَا يَقُول , وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا تَزَال عِصَابَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْر اللَّه ظَاهِرِينَ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيهِمْ السَّاعَة وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ " فَقَالَ عَبْد اللَّه " أَجَلْ , وَيَبْعَث اللَّه رِيحًا رِيحهَا رِيح الْمِسْك وَمَسّهَا مَسّ الْحَرِير فَلَا تَتْرُك أَحَدًا فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ , ثُمَّ يَبْقَى شِرَار النَّاس فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة " فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث عُقْبَةَ " حَتَّى تَأْتِيهِمْ السَّاعَة " سَاعَتهمْ هُمْ وَهِيَ وَقْت مَوْتهمْ بِهُبُوبِ الرِّيح وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان شَيْء مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِر الرِّقَاق عِنْدَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب.