💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار ) هُوَ بُنْدَار , وَعُثْمَان هُوَ اِبْن عُمَر بْن فَارِس , وَالسَّنَد كُلّه إِلَى عِمْرَان بْن حِطَّانَ بَصْرِيُّونَ , وَعِمْرَان هُوَ السُّدُوسِيّ كَانَ أَحَد الْخَوَارِج مِنْ الْعَقَدِيَّة بَلْ هُوَ رَئِيسهمْ وَشَاعِرهمْ , وَهُوَ الَّذِي مَدَحَ اِبْن مُلْجِم قَاتِل عَلِيّ بِالْأَبْيَاتِ الْمَشْهُورَة , وَأَبُوهُ حِطَّان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا طَاء مُهْمَلَة ثَقِيلَة , وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى قَاعِدَته فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُبْتَدِع إِذَا كَانَ صَامِد اللَّهْجَة مُتَدَيِّنًا ; وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عِمْرَان تَابَ مِنْ بِدْعَته وَهُوَ بَعِيد , وَقِيلَ : إِنَّ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير حَمَلَهُ عَنْهُ قَبْل أَنْ يَبْتَدِع , فَإِنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ أَقَارِبه تَعْتَقِد رَأْي الْخَوَارِج لِيَنْقُلهَا عَنْ مُعْتَقَدهَا فَنَقَلَتْهُ هِيَ إِلَى مُعْتَقَدهَا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَهُوَ مُتَابَعَة , وَآخَر فِي " بَاب نَقْضِ الصُّوَر ". قَوْله : ( سَأَلْت عَائِشَة عَنْ الْحَرِير فَقَالَتْ : اِئْتِ اِبْن عَبَّاس فَسَلْهُ , قَالَ فَسَأَلْته فَقَالَ : سَلْ اِبْن عُمَر ) كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَفِي رِوَايَة حَرْب بْن شَدَّاد الَّتِي تُذْكَر عَقِب هَذِهِ بِالْعَكْسِ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ. سَلْ عَائِشَة , فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ : سَلْ اِبْن عُمَر. قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْص يَعْنِي عُمَر بْن الْخَطَّاب ) كَذَا فِي الْأَصْل. قَوْله : ( فَقُلْت صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْص ) هُوَ قَوْل عِمْرَان بْن حِطَّان. قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) هُوَ الْغُدَانِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة , وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يُصَرِّح فِي هَذَا بِتَحْدِيثِهِ. قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَرْب ) هُوَ اِبْن شَدَّاد , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ اِبْن مَيْمُون , وَنَسَبَهُ لِصَاحِبِ الْكَاشِف وَهُوَ عَجِيب فَإِنَّ صَاحِب الْكَاشِف لَمْ يَرْقُم لِحَرْبِ بْن مَيْمُون عَلَامَة الْبُخَارِيّ , وَإِنَّمَا قَالَ فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن رَجَاء رَوَى عَنْ حَرْب بْن مَيْمُون , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن عَبْد اللَّه بْن رَجَاء رَوَى عَنْهُ أَنْ لَا يَرْوِي عَنْ حَرْب بْن شَدَّاد , بَلْ رِوَايَته عَنْ حَرْب بْن شَدَّاد مَوْجُودَة فِي غَيْر هَذَا وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الرِّوَايَة تَصْرِيح يَحْيَى بِتَحْدِيثِ عِمْرَان لَهُ بِهَذَا الْحَدِيث. قَوْله : ( وَقَصَّ الْحَدِيث ) سَاقَهُ النَّسَائِيُّ مَوْصُولًا عَنْ عَمْرو بْن مَنْصُور عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء عَنْ حَرْب بْن شَدَّاد بِلَفْظِ " مَنْ لَبِسَ الْحَرِير فِي الدُّنْيَا فَلَا خَلَاق لَهُ فِي الْآخِرَة " وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظ فِي حَدِيث عُمَر خَطَأ , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَسُقْ اللَّفْظ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بَيَان وَاضِح لِمَنْ قَالَ يَحْرُم عَلَى الرِّجَال لُبْس الْحَرِير لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَعْنَاهُ فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة فِي شَرْح أَوَّل حَدِيث مِنْهُ , فَإِنَّ الْحُكْم فِيهَا وَاحِد وَهُوَ نَفْي اللُّبْس وَنَفْي الشُّرْب فِي الْآخِرَة وَفِي الْجَنَّة. وَحَاصِل أَعْدَل الْأَقْوَال أَنَّ الْفِعْل الْمَذْكُور مُقْتَضٍ لِلْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَة , وَقَدْ يَتَخَلَّف ذَلِكَ لِمَانِعٍ كَالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَات الَّتِي تُوَازِن وَالْمَصَائِب الَّتِي تُكَفِّر , وَكَدُعَاءِ الْوَلَد بِشَرَائِط , وَكَذَا شَفَاعَة مَنْ يُؤْذَن لَهُ فِي الشَّفَاعَة , وَأَعَمّ مِنْ ذَلِكَ كُلّه عَفْو أَرْحَم الرَّاحِمِينَ. وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ لُبْس الْعَلَم مِنْ الْحَرِير إِذَا كَانَ فِي الثَّوْب , وَخَصَّهُ بِالْقَدْرِ الْمَذْكُور وَهُوَ أَرْبَع أَصَابِع , وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ أَجَازَ الْعَلَم فِي الثَّوْب مُطْلَقًا وَلَوْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَة أَصَابِع , وَهُوَ مَنْقُول عَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ مَنَعَ الْعَلَم فِي الثَّوْب مُطْلَقًا , وَهُوَ ثَابِت عَنْ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَغَيْرهمَا , لَكِنْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُوا مَنَعُوهُ وَرَعًا وَإِلَّا فَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِمْ فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ , قَالَ النَّوَوِيّ وَقَدْ نُقِلَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ مَالِك وَهُوَ مَذْهَب مَرْدُود , وَكَذَا مَذْهَب مَنْ أَجَازَ بِغَيْرِ تَقْدِير وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز لُبْس الثَّوْب الْمُطَرَّز بِالْحَرِيرِ , وَهُوَ مَا جُعِلَ عَلَيْهِ طِرَاز حَرِير مُرَكَّب , وَكَذَلِكَ الْمُطَرَّف وَهُوَ مَا سُجِفَتْ أَطْرَافه بِسَجَفٍ مِنْ حَرِير بِالتَّقْدِيرِ الْمَذْكُور , وَقَدْ يَكُون التَّطْرِيز فِي نَفْس الثَّوْب بَعْد النَّسْج , وَفِيهِ اِحْتِمَال سَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَاز لُبْس الثَّوْب الَّذِي يُخَالِطهُ مِنْ الْحَرِير مِقْدَار الْعَلَم سَوَاء كَانَ ذَلِكَ الْقَدْر مَجْمُوعًا أَوْ مُفَرَّقًا وَهُوَ قَوِيّ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي " بَاب الْقَسِّيّ " بَعْد بَابَيْنِ.