💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ) فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ أَبِي النَّضْر هَاشِم عَنْ اللَّيْث حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي " بَاب الْمَزْرُور بِالذَّهَبِ " مُعَلَّقًا. قَوْله : ( عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ ) هَكَذَا أَسْنَدَهُ اللَّيْث , وَتَابَعَهُ حَاتِم بْن وَرْدَان عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَلَى وَصْله كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات , وَأَرْسَلَهُ حَمَّاد بْن زَيْد كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَمْس , وَإِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَب , كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوب , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي " بَاب قِسْمَة الْإِمَام مَا يُقَدَّم عَلَيْهِ " مِنْ كِتَاب الْخَمْس. قَوْله : ( قَسَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَة ) فِي رِوَايَة حَاتِم قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَة وَفِي رِوَايَة حَمَّاد " أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَة مِنْ دِيبَاج مَزْرُورَة بِالذَّهَبِ فَقَسَمَهَا فِي نَاس مِنْ أَصْحَابه ". قَوْله : ( وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا ) أَيْ فِي حَال تِلْكَ الْقِسْمَة. وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مِنْ أَصْحَابه " وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَة " وَمَخْرَمَة هُوَ وَالِد الْمِسْوَر , وَهُوَ اِبْن نَوْفَل الزُّهْرِيُّ , كَانَ مِنْ رُؤَسَاء قُرَيْش وَمِنْ الْعَارِفِينَ بِالنَّسَبِ وَأَنْصَاب الْحَرَم , وَتَأَخَّرَ إِسْلَامه إِلَى الْفَتْح , وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَأَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَة مَعَ الْمُؤَلَّفَة , وَمَاتَ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَهُوَ اِبْن مِائَة وَخَمْس عَشْرَة سَنَة ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد. قَوْله : ( اِنْطَلَقَ بِنَا ) فِي رِوَايَة حَاتِم " عَسَى أَنْ يُعْطِينَا مِنْهَا شَيْئًا ". قَوْله : ( اُدْخُلْ فَادْعُهُ لِي ) فِي رِوَايَة حَاتِم " فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَاب فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْته " قَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد سَمَاع صَوْت مَخْرَمَةَ صَادَفَ دُخُول الْمِسْوَر إِلَيْهِ. قَوْله : ( فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاء مِنْهَا ) ظَاهِره اِسْتِعْمَال الْحَرِير , قِيلَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون قَبْل النَّهْي , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ نَشَرَهُ عَلَى أَكْتَافه لِيَرَاهُ مَخْرَمَة كُلّه وَلَمْ يَقْصِد لُبْسه. قُلْت : وَلَا يَتَعَيَّن كَوْنه عَلَى أَكْتَافه بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُون مَنْشُورًا عَلَى يَدَيْهِ فَيَكُون قَوْله عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ عَلَى الْبَعْض , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حَاتِم " فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاء وَهُوَ يُرِيه مَحَاسِنه " وَفِي رِوَايَة حَمَّاد " فَتَلَقَّاهُ بِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ ". قَوْله : ( خَبَّأْت هَذَا لَك ) فِي رِوَايَة حَاتِم تَكْرَار ذَلِكَ , زَادَ فِي رِوَايَة حَمَّاد " يَا أَبَا الْمِسْوَر " هَكَذَا دَعَاهُ أَبَا الْمِسْوَر وَكَأَنَّهُ عَلَى سَبِيل التَّأْنِيس لَهُ بِذِكْرِ وَلَده الَّذِي جَاءَ صُحْبَته , وَإِلَّا فَكُنْيَته فِي الْأَصْل أَبُو صَفْوَان وَهُوَ أَكْبَر أَوْلَاده , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد. قَوْله : ( فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ مَخْرَمَة ) زَادَ فِي رِوَايَة هَاشِم " فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ " , وَجَزَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ قَوْله : " رَضِيَ مَخْرَمَة " مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَجَّحْت فِي الْهِبَة أَنَّهُ مِنْ كَلَام مَخْرَمَة , زَادَ حَمَّاد فِي آخِر الْحَدِيث " وَكَانَ فِي خُلُقه شِدَّة " قَالَ اِبْن بَطَّال : يُسْتَفَاد مِنْهُ اِسْتِئْلَاف أَهْل اللَّسَن وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ بِالْعَطِيَّةِ وَالْكَلَام الطَّيِّب , وَفِيهِ الِاكْتِفَاء فِي الْهِبَة بِالْقَبْضِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ , وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الشَّهَادَات الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى جَوَاز شَهَادَة الْأَعْمَى لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ صَوْت مَخْرَمَة فَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَته بِهِ , وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الْقَبَاء الَّذِي خَبَّأَهُ لَهُ , وَاسْتَنْبَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة مِنْهُ جَوَاز الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخُطُوط تَشْتَبِه أَكْثَر مِمَّا تَشْتَبِه الْأَصْوَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي الشَّهَادَات , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمِسْوَر لَا صُحْبَة لَهُ.