💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل ) هُوَ اِبْن غَسَّان النَّهْدِيّ , وَإِسْرَائِيل هُوَ اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن مُوهِب هُوَ التَّيْمِيُّ مَوْلَى آل طَلْحَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر سَبَقَ فِي الْحَجّ وَغَيْره. قَوْله : ( أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمّ سَلَمَة ) يَعْنِي زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَهْله , وَلَكِنَّهُمْ مِنْ آل طَلْحَة لِأَنَّهُمْ مَوَالِيه , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِأَهْلِهِ اِمْرَأَته. قَوْله : ( بِقَدَحٍ مِنْ مَاء , وَقَبَضَ إِسْرَائِيل ثَلَاث أَصَابِع مِنْ قُصَّة فِيهَا ) وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " فِيهِ شَعْر مِنْ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اُخْتُلِفَ فِي ضَبْط " قُصَّة " هُوَ بِقَافٍ مَضْمُومَة ثُمَّ صَادَ مُهْمَلَة أَوْ بِفَاءٍ مَكْسُورَة ثُمَّ ضَاد مُعْجَمَة ؟ فَأَمَّا قَوْله " وَقَبَضَ إِسْرَائِيل ثَلَاث أَصَابِع " فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى صِغَر الْقَدَح , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ عِبَارَة عَنْ عَدَد إِرْسَال عُثْمَان إِلَى أُمّ سَلَمَة وَهُوَ بَعِيد , وَأَمَّا قَوْله " فِيهَا " فَضَمِير لِمَعْنَى الْقَدَح لِأَنَّ الْقَدَح إِذَا كَانَ فِيهِ مَائِع يُسَمَّى كَأْسًا وَالْكَأْس مُؤَنَّثَة , أَوْ الضَّمِير لِلْقِصَّةِ كَمَا سَيَأْتِي تَوْجِيهه. وَأَمَّا رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فَوَاضِحَة وَقَوْله " مِنْ فِضَّة " إِنْ كَانَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة فَهُوَ بَيَان لِجِنْسِ الْقَدَح , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ لَا أَنَّهُ كَانَ كُلّه فِضَّة. قُلْت : وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ أُمّ سَلَمَة كَانَتْ لَا تُجِيز اِسْتِعْمَال آنِيَة الْفِضَّة فِي غَيْر الْأَكْل وَالشُّرْب , وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَجَازَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء اِسْتِعْمَال الْإِنَاء الصَّغِير مِنْ الْفِضَّة فِي غَيْر الْأَكْل وَالشُّرْب ؟ وَإِنْ كَانَ بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة فَهُوَ مِنْ صِفَة الشَّعْر عَلَى مَا فِي التَّرْكِيب مِنْ قَلَق الْعِبَارَة , وَلِهَذَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : عَلَيْك بِتَوْجِيهِهِ. وَيَظْهَر أَنَّ " مِنْ " سَبَبِيَّة أَيْ أَرْسَلُونِي بِقَدَحٍ مِنْ مَاء بِسَبَبِ قُصَّة فِيهَا شَعْر , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة مَحْفُوظَة بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة , وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي " الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ " بِلَفْظٍ دَالّ عَلَى أَنَّهُ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة وَلَفْظه " أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمّ سَلَمَة بِقَدَحٍ مِنْ مَاء , فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّة فِيهِ شَعْر إِلَخْ " وَلَمْ يَذْكُر قَوْل إِسْرَائِيل , فَكَأَنَّهُ سَقَطَ عَلَى رُوَاة الْبُخَارِيّ قَوْله " فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ " وَبِهِ يَنْتَظِم الْكَلَام , وَيُعْرَف مِنْهُ أَنَّ قَوْله " مِنْ فِضَّة " بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة أَنَّهُ صِفَة الْجُلْجُل لَا صِفَة الْقَدَح الَّذِي أَحْضَرَهُ عُثْمَان بْن مُوهِب , قَالَ اِبْن دِحْيَة : وَقَعَ لِأَكْثَر الرُّوَاة بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة , وَالصَّحِيح عِنْد الْمُحَقِّقِينَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة , وَقَدْ بَيَّنَهُ وَكِيع فِي مُصَنَّفه بَعْدَمَا رَوَاهُ عَنْ إِسْرَائِيل فَقَالَ " كَانَ جُلْجُلًا مِنْ فِضَّة صِيَغ صَوَّانًا لِشَعَرَاتٍ كَانَتْ عِنْد أُمّ سَلَمَة مِنْ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قَوْله : ( وَكَانَ ) النَّاس ( إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَان ) أَيْ مِنْهُمْ ( عَيْن ) أَيْ أُصِيبَ بِعَيْنٍ ( أَوْ شَيْء ) أَيْ مِنْ أَيّ مَرَض كَانَ , وَهُوَ مَوْصُول مِنْ قَوْل عُثْمَان الْمَذْكُور. قَوْله : ( بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبه ) بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة هُوَ مِنْ حَمَلَة الْآنِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ مَنْ اِشْتَكَى أَرْسَلَ إِنَاء إِلَى أُمّ سَلَمَة فَتَجْعَل فِيهِ تِلْكَ الشَّعَرَات وَتَغْسِلهَا فِيهِ وَتُعِيدهُ فَيَشْرَبهُ صَاحِب الْإِنَاء أَوْ يَغْتَسِل بِهِ اِسْتِشْفَاء بِهَا فَتَحْصُل لَهُ بَرَكَتهَا. قَوْله : ( فَاطَّلَعَتْ فِي الْجُلْجُل ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِجِيمَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ بَيْنهمَا لَام وَآخِره أُخْرَى , هُوَ شِبْه الْجَرَس , وَقَدْ تُنْزَع مِنْهُ الْحَصَاة الَّتِي تَتَحَرَّك فَيُوضَع فِيهِ مَا يُحْتَاج إِلَى صِيَانَته , وَالْقَائِل " فَاطَّلَعَتْ " هُوَ عُثْمَان , وَقِيلَ إِنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات " الْجَحْل " بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفُسِّرَ بِالسِّقَاءِ الضَّخْم , وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ صَوَّانًا لِلشَّعَرَاتِ كَمَا جَزَمَ بِهِ وَكِيع أَحَد رُوَاة الْخَبَر كَانَ الْمُنَاسِب لَهُنَّ الظَّرْف الصَّغِير لَا الْإِنَاء الضَّخْم , وَلَمْ يُفَسِّر صَاحِب " الْمَشَارِق " وَلَا " النِّهَايَة " الْجُلْجُل كَأَنَّهُمَا تَرَكَاهُ لِشُهْرَتِهِ , لَكِنْ حَكَى عِيَاض أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن " الْمُخَضَّب " بَدَل الْجُلْجُل فَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَرَأَيْت شَعَرَات حُمْرًا ) فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا " مَخْضُوبًا " وَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ.