💡شرح النووي على مسلم
" قَوْله : ( إِنَّ أَسْمَاء أَرْسَلَتْ إِلَى اِبْن عُمَر بَلَغَنِي أَنَّك تُحَرِّم أَشْيَاء ثَلَاثَة : الْعَلَم فِي الثَّوْب , وَمِئْثَرَة الْأُرْجُوَان , وَصَوْم رَجَب كُلّه , فَقَالَ اِبْن عُمَر : أَمَّا مَا ذَكَرْت مِنْ رَجَب فَكَيْف بِمَنْ يَصُوم الْأَبَد , وَأَمَّا مَا ذَكَرْت مِنْ الْعَلَم فِي الثَّوْب , فَإِنِّي سَمِعْت عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّمَا يَلْبَس الْحَرِير مَنْ لَا خَلَاق لَهُ فَخِفْت أَنْ يَكُون الْعَلَم مِنْهُ. وَأَمَّا مِئْثَرَة الْأُرْجُوَان فَهَذِهِ مِئْثَرَة عَبْد اللَّه أُرْجُوَان , فَقَالَتْ : هَذِهِ جُبَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّة طَيَالِسَة كِسْرَوَانِيَّة لَهَا لِبْنَة دِيبَاج , وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ , فَقَالَتْ : هَذِهِ كَانَتْ عِنْد عَائِشَة حَتَّى قُبِضَتْ , فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسهَا فَنَحْنُ نَغْسِلهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا ). قَوْله : ( وَمِيثَرَة الْأُرْجُوَان ) تَقَدَّمَ تَفْسِير ( الْمِيثَرَة ) وَضَبْطهَا , وَأَمَّا ( الْأُرْجُوَان ) فَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالْجِيم , هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَعْرُوف فِي رِوَايَات الْحَدِيث , فِي كُتُبِ الْغَرِيب , وَفِي كُتُب اللُّغَة وَغَيْرهَا , وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاصِّي فِي الْمَشَارِق , وَفِي شَرْح الْقَاضِي عِيَاض فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمّ الْجِيم , وَهَذَا غَلَط ظَاهِر مِنْ النُّسَّاخ لَا مِنْ الْقَاضِي , فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الْمَشَارِق بِضَمِّ الْهَمْزَة. قَالَ أَهْل اللُّغَة وَغَيْرهمْ. هُوَ صِبْغ أَحْمَر شَدِيد الْحُمْرَة , هَكَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْد وَالْجُمْهُور , وَقَالَ الْفِرَاء : هُوَ الْحُمْرَة , وَقَالَ اِبْن فَارِس : هُوَ كُلّ لَوْن أَحْمَر , وَقِيلَ : هُوَ الصُّوف الْأَحْمَر , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : هُوَ شَجَر لَهُ نَوْر أَحْمَر أَحْسَن مَا يَكُون , قَالَ : وَهُوَ مُعْرَّب. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَرَبِيّ. قَالُوا : وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء , يُقَال : هَذَا ثَوْب أُرْجُوَان وَهَذِهِ قَطِيفَة أُرْجُوَان , وَقَدْ يَقُولُونَهُ عَلَى الصِّفَة , وَلَكِنَّ الْأَكْثَر فِي اِسْتِعْمَاله إِضَافَة الْأُرْجُوَان , إِلَى مَا بَعْده. ثُمَّ إِنَّ أَهْل اللُّغَة ذَكَرُوهُ فِي بَاب الرَّاء وَالْجِيم وَالْوَاو , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَلَا يُغْتَرّ بِذِكْرِ الْقَاضِي لَهُ فِي الْمَشَارِق فِي بَاب الْهَمْزَة وَالرَّاء وَالْجِيم , وَلَا بِذِكْرِ اِبْن الْأَثِير لَهُ فِي الرَّاء وَالْجِيم وَالنُّون , وَاللَّه أَعْلَم. أَمَّا جَوَاب اِبْن عُمَر فِي صَوْم رَجَب فَإِنْكَارٌ مِنْهُ لِمَا بَلَغَهُ عَنْهُ مِنْ تَحْرِيمه , وَإِخْبَار بِأَنَّهُ يَصُوم رَجَبًا كُلّه , وَأَنَّهُ يَصُوم الْأَبَد. وَالْمُرَاد بِالْأَبَدِ مَا سِوَى أَيَّام الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيق , وَهَذَا مَذْهَبه وَمَذْهَب أَبِيهِ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَائِشَة وَأَبِي طَلْحَة وَغَيْرهمْ مِنْ سَلَف الْأُمَّة وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يُكْرَه صَوْم الدَّهْر , وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصِّيَام مَعَ شَرْح الْأَحَادِيث الْوَارِدَة مِنْ الطَّرَفَيْنِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْت عَنْهُ مِنْ كَرَاهَة الْعِلْم فَلَمْ يَعْتَرِف بِأَنَّهُ كَانَ يُحَرِّمهُ , بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَوَرَّعَ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ دُخُوله فِي عُمُوم النَّهْي عَنْ الْحَرِير. وَأَمَّا الْمِيثَرَة فَأَنْكَرَ مَا بَلَغَهَا عَنْهُ فِيهَا , وَقَالَ : هَذِهِ مِئْثَرَتِي , وَهِيَ أُرْجُوَان , وَالْمُرَاد أَنَّهَا حَمْرَاء , وَلَيْسَتْ مِنْ حَرِير , بَلْ مِنْ صُوف أَوْ غَيْره , وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا قَدْ تَكُون مِنْ حَرِير , وَقَدْ تَكُون مِنْ صُوف , وَأَنَّ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْهَا مَخْصُوصَة بِاَلَّتِي هِيَ مِنْ الْحَرِير. وَأَمَّا إِخْرَاج أَسْمَاء جُبَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَكْفُوفَة بِالْحَرِيرِ , فَقَصَدْت بِهَا بَيَان أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُحَرَّمًا , وَهَكَذَا الْحُكْم عِنْد الشَّافِعِيّ وَغَيْره أَنَّ الثَّوْب وَالْجُبَّة وَالْعِمَامَة وَنَحْوهَا إِذَا كَانَ مَكْفُوف الطَّرَف بِالْحَرِيرِ جَازَ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَع أَصَابِع , فَإِنْ زَادَ فَهُوَ حَرَام لِحَدِيثِ عُمَر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ الْمَذْكُور بَعْد هَذَا. وَأَمَّا قَوْله : ( جُبَّة طَيَالِسَةٍ ) فَهُوَ بِإِضَافَةِ جُبَّة إِلَى طَيَالِسَة , وَالطَّيَالِسَة جَمْع طَيْلَسَان بِفَتْحِ اللَّام عَلَى الْمَشْهُور. قَالَ جَمَاهِير أَهْل اللُّغَة : لَا يَجُوز فِيهِ غَيْر فَتْح اللَّام , وَعَدُّوا كَسْرهَا فِي تَصْحِيف الْعَوَامّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق فِي حَرْف السِّين وَالْيَاء فِي تَفْسِير السَّاج أَنَّ الطَّيْلَسَان يُقَال بِفَتْحِ اللَّام وَضَمّهَا وَكَسْرهَا , وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف. وَأَمَّا قَوْله : ( كِسْرَاوَنِيَّة ) فَهُوَ بِكَسْرِ الْكَاف وَفَتْحهَا , وَالسِّين سَاكِنَة , وَالرَّاء مَفْتُوحَة. وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جُمْهُور الرُّوَاة رَوَوْهُ بِكَسْرِ الْكَاف , وَهُوَ نِسْبَة إِلَى كِسْرَى صَاحِب الْعِرَاق مَلِك الْفُرْس , وَفِيهِ كَسْر الْكَاف وَفَتْحهَا. قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ الْهَرَوِيُّ فِي مُسْلِم فَقَالَ : خِسْرَوَانِيَّة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَثِيَابهمْ , وَفِيهِ أَنَّ النَّهْي عَنْ الْحَرِير الْمُرَاد بِهِ الثَّوْب الْمُتَمَحِّضُ مِنْ الْحَرِير , أَوْ مَا أَكْثَره حَرِير , وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم كُلّ جُزْء مِنْهُ بِخِلَافِ الْخَمْر وَالذَّهَب , فَإِنَّهُ يَحْرُم كُلّ جُزْء مِنْهُمَا. وَأَمَّا قَوْله فِي الْجُبَّة : ( إِنَّ لَهَا لِبْنَة ) فَهُوَ بِكَسْرِ اللَّام وَإِسْكَان الْبَاء , هَكَذَا ضَبَطَهَا الْقَاضِي وَسَائِر الشُّرَّاح , وَكَذَا هِيَ فِي كُتُب اللُّغَة وَالْغَرِيب. قَالُوا : وَهِيَ رُقْعَة فِي جَيْب الْقَمِيص , هَذِهِ عِبَارَتهمْ كُلّهمْ. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْلهَا : ( وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ ) فَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ , ( وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ ) وَهُمَا مَنْصُوبَانِ بِفِعْلٍ مَحْذُوف , أَيْ وَرَأَيْت فَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ , وَمَعْنَى الْمَكْفُوف أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا كُفَّة بِضَمِّ الْكَاف , وَهُوَ مَا يُكَفّ بِهِ جَوَانِبهَا وَيُعْطَف عَلَيْهَا , وَيَكُون ذَلِكَ فِي الذَّيْل , وَفِي الْفَرْجَيْنِ , وَفِي الْكُمَّيْنِ. وَفِي هَذَا جَوَاز لِبَاس الْجُبَّة , وَلِبَاس مَا لَهُ فَرْجَانِ , وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.