💡 شرح فتح الباري
حَدِيث الْبَرَاء " أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ ". قَوْله : ( وَعَنْ الشُّرْب فِي الْفِضَّة أَوْ قَالَ فِي آنِيَة الْفِضَّة ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْبَرَاء " فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَب فِيهَا فِي الْآخِرَة " وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " مَنْ شَرِبَ فِي آنِيَة الْفِضَّة وَالذَّهَب فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَب فِيهَا فِي الْآخِرَة , وَآنِيَة أَهْل الْجَنَّة الذَّهَب وَالْفِضَّة " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ , وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث الْبَرَاء مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَدَب , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِاللِّبَاسِ مِنْهُ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث تَحْرِيم الْأَكْل وَالشُّرْب فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة عَلَى كُلّ مُكَلَّف رَجُلًا كَانَ أَوْ اِمْرَأَة , وَلَا يَلْتَحِق ذَلِكَ بِالْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّزَيُّن الَّذِي أُبِيحَ لَهَا فِي شَيْء , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : فِي الْحَدِيث تَحْرِيم اِسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي الْأَكْل وَالشُّرْب , وَيُلْحَق بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْل التَّطَيُّب وَالتَّكَحُّل وَسَائِر وُجُوه الِاسْتِعْمَالَات , وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور , وَأَغْرَبَتْ طَائِفَة شَذَّتْ فَأَبَاحَتْ ذَلِكَ مُطْلَقًا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ التَّحْرِيم عَلَى الْأَكْل وَالشُّرْب , وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى الشُّرْب لِأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى الزِّيَادَة فِي الْأَكْل , قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّة الْمَنْع فَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى عَيْنهمَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله هِيَ لَهُمْ وَإِنَّهَا لَهُمْ , وَقِيلَ : لِكَوْنِهِمَا الْأَثْمَان وَقِيَم الْمُتْلَفَات , فَلَوْ أُبِيحَ اِسْتِعْمَالهَا لَجَازَ اِتِّخَاذ الْآلَات مِنْهُمَا فَيُفْضِي إِلَى قِلَّتهمَا بِأَيْدِي النَّاس فَيُجْحَف بِهِمْ , وَمَثَّلَهُ الْغَزَالِيّ بِالْحُكَّامِ الَّذِينَ وَظِيفَتهمْ التَّصَرُّف لِإِظْهَارِ الْعَدْل بَيْن النَّاس , فَلَوْ مَنَعُوا التَّصَرُّف لَأَخَلَّ ذَلِكَ بِالْعَدْلِ , فَكَذَا فِي اِتِّخَاذ الْأَوَانِي مِنْ النَّقْدَيْنِ حَبْس لَهُمَا عَنْ التَّصَرُّف الَّذِي يَنْتَفِع بِهِ النَّاس. وَيَرُدّ عَلَى هَذَا جَوَاز الْحُلِيّ لِلنِّسَاءِ مِنْ النَّقْدَيْنِ , وَيُمْكِن الِانْفِصَال عَنْهُ. وَهَذِهِ الْعِلَّة هِيَ الرَّاجِحَة عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَبِهِ صَرَّحَ أَبُو عَلِيّ السَّنْجِيّ وَأَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ. وَقِيلَ : عِلَّة التَّحْرِيم السَّرَف وَالْخُيَلَاء , أَوْ كَسْر قُلُوب الْفُقَرَاء. وَيَرُدّ عَلَيْهِ جَوَاز اِسْتِعْمَال الْأَوَانِي مِنْ الْجَوَاهِر النَّفِيسَة وَعَالِيهَا أَنْفَس وَأَكْثَر قِيمَة مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَلَمْ يَمْنَعهَا إِلَّا مَنْ شَذَّ. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الصَّبَّاغ فِي " الشَّامِل " الْإِجْمَاع عَلَى الْجَوَاز , وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيّ وَمَنْ بَعْده. لَكِنْ فِي " زَوَائِد الْعُمْرَانِيّ " عَنْ صَاحِب " الْفُرُوع " نَقْل وَجْهَيْنِ. وَقِيلَ : الْعِلَّة فِي الْمَنْع التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ , وَفِي ذَلِكَ نَظَر لِثُبُوتِ الْوَعِيد لِفَاعِلِهِ , وَمُجَرَّد التَّشَبُّه لَا يَصِل إِلَى ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي اِتِّخَاذ الْأَوَانِي دُون اِسْتِعْمَالهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْأَشْهَر الْمَنْع وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَة , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى الْعِلَّة فِي مَنْع الِاسْتِعْمَال , وَيَتَفَرَّع عَلَى ذَلِكَ غَرَامَة أَرْش مَا أُفْسِدَ مِنْهَا وَجَوَاز الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا.