💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( أَتَى أَبُو أُسَيْد السَّاعِدِيّ فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسه ) تَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَة مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ " دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْسِهِ " وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي حَازِم " دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه ". قَوْله : ( قَالَ أَتَدْرُونَ ) الْقَائِل هُوَ سَهْل و ( مَا سَقَتْ ) بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " قَالَتْ وَسَقَيْت " بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة بَعْد الْقَاف وَفِي آخِره مُثَنَّاة , وَكَذَا الْخِلَاف فِي أَنْقَعَتْ وَنَقَعَتْ وَأَنْقَعَ بِالْهَمْزَةِ لُغَة , وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى نَقَعَتْ بِغَيْرِ أَلِف , وَتَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَة بِلَفْظِ " بَلَّتْ تَمَرَات ". قَوْله : ( فِي تَوْر ) زَادَ فِي الْوَلِيمَة " مِنْ حِجَارَة " وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مِنْ غَيْرهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي رِوَايَة أَشْعَث عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر " كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْبَذ لَهُ فِي سِقَاء , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سِقَاء يُنْبَذ لَهُ فِي تَوْر " قَالَ أَشْعَث : وَالتَّوْر مِنْ لِحَاء الشَّجَر , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. وَعَبَّرَ الْمُصَنِّف فِي التَّرْجَمَة بِالِانْتِبَاذِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّقِيع يُسَمَّى نَبِيذًا , فَيُحْمَل مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَار بِلَفْظِ النَّبِيذ عَلَى النَّقِيع , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ بَعْد قَلِيل " بَاب نَقِيع التَّمْر مَا لَمْ يُسْكِر " قَالَ الْمُهَلَّب : النَّقِيع حَلَال مَا لَمْ يَشْتَدّ فَإِذَا اِشْتَدَّ وَغَلَى حَرُمَ. وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّة أَنْ يَقْذِف بِالزَّبَدِ , قَالَ : وَإِذَا نُقِعَ مِنْ اللَّيْل وَشُرِبَ النَّهَار أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَشْتَدّ , وَفِيهِ حَدِيث عَائِشَة , يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَائِشَة " كَانَتْ تَنْبِذ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاء تُوكِي أَعْلَاهُ فَيَشْرَبهُ عِشَاء , وَتَنْبِذهُ عِشَاء فَيَشْرَبهُ غَدْوَة " وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا " كَانَتْ تَنْبِذ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدْوَة , فَإِذَا كَانَ مِنْ الْعَشِيّ تَعَشَّى فَشَرِبَ عَلَى عَشَائِهِ , فَإِنْ فَضَلَ شَيْء صَبَّتْهُ ثُمَّ تَنْبِذ لَهُ بِاللَّيْلِ , فَإِذَا أَصْبَحَ وَتَغَدَّى شَرِبَ عَلَى غَدَائِهِ , قَالَتْ نَغْسِل السِّقَاء غَدْوَة وَعَشِيَّة " وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الدَّيْلَمِيّ عَنْ أَبِيهِ " قُلْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا نَصْنَع بِالزَّبِيبِ ؟ قَالَ : اِنْبِذُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ , وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيث فِيهَا التَّقْيِيد بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَة. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس " كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْبَذ لَهُ الزَّبِيب مِنْ اللَّيْل فِي السِّقَاء , فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَهُ يَوْمه وَلَيْلَته وَمِنْ الْغَد , فَإِذَا كَانَ مَسَاء شَرِبَهُ أَوْ سَقَاهُ الْخَدَم , فَإِنْ فَضَلَ شَيْء أَرَاقَهُ " وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الشَّرَاب فِي الْمُدَّة الَّتِي ذَكَرَتْهَا عَائِشَة يُشْرَب حُلْوًا , وَأَمَّا الصِّفَة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن عَبَّاس فَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى الشِّدَّة وَالْغَلَيَان , لَكِنْ يُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ أَمْر الْخَدَم بِشُرْبِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغ ذَلِكَ وَلَكِنْ قَرُبَ مِنْهُ , لِأَنَّهُ لَوْ بَلَغَ ذَلِكَ لَأَسْكَرَ وَلَوْ أَسْكَرَ لَحَرُمَ تَنَاوُله مُطْلَقًا اِنْتَهَى. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ بِجَوَازِ شُرْب قَلِيل مَا أَسْكَرَ كَثِيره , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ بَدَا فِيهِ بَعْض تَغَيُّر فِي طَعْمه مِنْ حَمْض أَوْ نَحْوه فَسَقَاهُ الْخَدَم , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ : قَوْله : " سَقَاهُ الْخَدَم " يُرِيد أَنَّهُ تَبَادَرَ بِهِ الْفَسَاد. اِنْتَهَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون " أَوْ " فِي الْخَبَر لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّهُ قَالَ : " سَقَاهُ الْخَدَم أَوْ أَمَرَ بِهِ فَأُهْرِقَ " أَيْ إِنْ كَانَ بَدَا فِي طَعْمه بَعْض التَّغَيُّر وَلَمْ يَشْتَدّ سَقَاهُ الْخَدَم , وَإِنْ كَانَ اِشْتَدَّ أَمْر بِإِهْرَاقِهِ , وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ فَقَالَ : هُوَ اِخْتِلَاف عَلَى حَالَيْنِ إِنْ ظَهَرَ فِيهِ شِدَّة صَبَّهُ وَإِنْ لَمْ تَظْهَر شِدَّة سَقَاهُ الْخَدَم لِئَلَّا تَكُون فِيهِ إِضَاعَة مَال , وَإِنَّمَا يَتْرُكهُ هُوَ تَنَزُّهًا. وَجُمِعَ بَيْن حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة بِأَنَّ شُرْب النَّقِيع فِي يَوْمه لَا يَمْنَع شُرْب النَّقِيع فِي أَكْثَر مِنْ يَوْم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِاخْتِلَافِ حَال أَوْ زَمَان يُحْمَل الَّذِي يَشْرَب فِي يَوْمه عَلَى مَا إِذَا كَانَ قَلِيلًا وَذَاكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَيَفْضُل مِنْهُ مَا يَشْرَبهُ فِيمَا بَعْد , وَإِمَّا بِأَنْ يَكُون فِي شِدَّة الْحَرّ مَثَلًا فَيُسَارِع إِلَيْهِ الْفَسَاد , وَذَاكَ فِي شِدَّة بَرْد فَلَا يَتَسَارَع إِلَيْهِ.