💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( حَدَّثَنِي يُوسُف بْن رَاشِد ) وَهُوَ يُوسُف بْن مُوسَى بْن رَاشِد بْن بِلَال الْقَطَّان الرَّازِيّ نَزِيل بَغْدَاد , نَسَبَهُ الْبُخَارِيّ إِلَى جَدّه , وَفِي طَبَقَته يُوسُف بْن مُوسَى التُّسْتَرِيُّ نَزَلَ الرَّيّ. فَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَلْتَبِس بِهِ. قَوْله ( وَاللَّفْظ لِيَزِيدَ ) قُلْت قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد الْحَدِيث عَنْ وَكِيع مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَتْن دُون الْقِصَّة , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان وَوَكِيع كِلَاهُمَا عَنْ كَهْمَس مَقْرُونًا وَقَالَ : إِنَّ السِّيَاق لِيَحْيَى وَالْمَعْنَى وَاحِد. قَوْله ( إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ كَهْمَس " رَأَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه " وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل أَنَّهُ قَرِيب لِعَبْدِ اللَّه بْن مُغَفَّل. قَوْله ( يَخْذِف ) بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَآخِره فَاء أَيْ يَرْمِي بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاة بَيْن سَبَّابَتَيْهِ أَوْ بَيْن الْإِبْهَام وَالسَّبَّابَة أَوْ عَلَى ظَاهِر الْوُسْطَى وَبَاطِن الْإِبْهَام , وَقَالَ اِبْن فَارِس : خَذَفْت الْحَصَاة رَمَيْتهَا بَيْن أُصْبُعَيْك , وَقِيلَ فِي حَصَى الْخَذْف : أَنْ يَجْعَل الْحَصَاة بَيْن السَّبَّابَة مِنْ الْيُمْنَى وَالْإِبْهَام مِنْ الْيُسْرَى ثُمَّ يَقْذِفهَا بِالسَّبَّابَةِ مِنْ الْيَمِين , وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِف فَارِسِيّ وَخَصَّ بَعْضهمْ بِهِ الْحَصَى , قَالَ : وَالْمِخْذَفَة الَّتِي يُوضَع فِيهَا الْحَجْر وَيُرْمَى بِهَا الطَّيْر وَيُطْلَق عَلَى الْمِقْلَاع أَيْضًا قَالَهُ فِي الصِّحَاح. قَوْله ( نَهَى عَنْ الْخَذْف , أَوْ كَانَ يَكْرَه الْخَذْف ) فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ وَكِيع " نَهَى عَنْ الْخَذْف " وَلَمْ يَشُكّ , وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ كَهْمَس بِالشَّكِّ وَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكّ مِنْ كَهْمَس. قَوْله ( إِنَّهُ لَا يُصَاد بِهِ صَيْد ) قَالَ الْمُهَلَّب : أَبَاحَ اللَّه الصَّيْد عَلَى صِفَة فَقَالَ ( تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ ) وَلَيْسَ الرَّمْي بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ , وَأَطْلَقَ الشَّارِع أَنَّ الْخَذْف لَا يُصَاد بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْهِزَات , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ - عَلَى تَحْرِيم أَكْل مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَة وَالْحَجَر اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتُل الصَّيْد بِقُوَّةِ رَامِيه لَا بِحَدِّهِ. قَوْله ( وَلَا يَنْكَأ بِهِ عَدُوّ ) قَالَ عِيَاض : الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْكَاف وَبِهَمْزَةٍ فِي آخِره وَهِيَ لُغَة , وَالْأَشْهَر بِكَسْرِ الْكَاف بِغَيْرِ هَمْز , وَقَالَ فِي شَرْح مُسْلِم : لَا يَنْكَأ بِفَتْحِ الْكَاف مَهْمُوز , وَرَوَى لَا يَنْكِي بِكَسْرِ الْكَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَهُوَ أَوْجَه لِأَنَّ الْمَهْمُوز إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَكَأْت الْقُرْحَة وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فَإِنَّهُ مِنْ النِّكَايَة , لَكِنْ قَالَ فِي " الْعَيْن " نَكَأْت لُغَة فِي نَكِيَتْ , فَعَلَى هَذَا تَتَوَجَّه هَذِهِ الرِّوَايَة قَالَ : وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَة فِي الْأَذَى. وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ , نَكَأَ الْعَدُوّ نِكَايَة أَصَابَ مِنْهُ , ثُمَّ قَالَ : نَكَأْت الْعَدُوّ أَنْكَؤُهُمْ لُغَة فِي نَكَيْتهمْ , فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَة صَحِيحَة الْمَعْنَى وَلَا مَعْنَى لِتَخْطِئَتِهَا. وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَلَمْ يُعَرِّج عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي بِالْهَمْزِ أَصْلًا بَلْ شَرْحه عَلَى الَّتِي بِكَسْرِ الْكَاف بِغَيْرِ هَمْز , ثُمَّ قَالَ : وَنَكَأْت الْقُرْحَة بِالْهَمْزِ. قَوْله ( وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِر السِّنّ ) أَيْ الرَّمْيَة , وَأَطْلَقَ السِّنّ فَيَشْمَل سِنّ الْمُرْمَى وَغَيْره مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْره. قَوْله ( لَا أُكَلِّمك كَذَا وَكَذَا ) فِي رِوَايَة مُعَاذ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر " لَا أُكَلِّمك كَلِمَة كَذَا وَكَذَا " وَكَلِمَة بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِين , كَذَا وَكَذَا أَبْهَمَ الزَّمَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عِنْد مُسْلِم " لَا أُكَلِّمك أَبَدًا " وَفِي الْحَدِيث جَوَاز هِجْرَان مَنْ خَالَفَ السُّنَّة وَتَرْك كَلَامه , وَلَا يَدْخُل ذَلِكَ فِي النَّهْي عَنْ الْهَجْر فَوْق ثَلَاث فَإِنَّهُ يَتَعَلَّق بِمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسه , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَدَب , وَفِيهِ تَغْيِير الْمُنْكَر وَمَنْع الرَّمْي بِالْبُنْدُقَةِ لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الشَّارِع أَنَّهُ لَا يَصِيد فَلَا مَعْنَى لِلرَّمْيِ بِهِ بَلْ فِيهِ تَعْرِيض لِلْحَيَوَانِ بِالتَّلَفِ لِغَيْرِ مَالِكه وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , نَعَمْ قَدْ يُدْرِك ذَكَاة مَا رُمِيَ بِالْبُنْدُقَةِ فَيَحِلّ أَكْله , وَمِنْ ثَمَّ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازه فَصَرَّحَ مُجَلِّي فِي " الذَّخَائِر " بِمَنْعِهِ وَبِهِ أَفْتَى اِبْن عَبْد السَّلَام , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ لَهُ لِأَنَّهُ طَرِيق إِلَى الِاصْطِيَاد , وَالتَّحْقِيق التَّفْصِيل : فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَب مِنْ حَال الرَّمْي مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث اِمْتَنَعَ , وَإِنْ كَانَ عَكْسه جَازَ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمُرْمَى مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الرَّمْي إِلَّا بِذَلِكَ ثُمَّ لَا يَقْتُلهُ غَالِبًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بَابَيْنِ مِنْ هَذَا الْبَاب قَوْل الْحَسَن فِي كَرَاهِيَة رَمْي الْبُنْدُقَة فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَار , وَمَفْهُومه أَنَّهُ لَا يُكْرَه فِي الْفَلَاة , فَجَعَلَ مَدَار النَّهْي عَلَى خَشْيَة إِدْخَال الضَّرَر عَلَى أَحَد مِنْ النَّاس وَاللَّهُ أَعْلَم