💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( مُحَمَّد بْن زِيَادٍ ) هُوَ الْجُمَحِيُّ. قَوْله ( إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ ) بِالنَّصْبِ ( خَادِمُهُ ) بِالرَّفْعِ. قَوْله ( فَإِنْ لَمْ يُجْلِسهُ مَعَهُ ) فِي رِوَايَة مُسْلِم " فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ " وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيلِيّ بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ " فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ , فَإِنْ لَمْ يُجْلِسهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ " وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَنْ عَجْلَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " فَادْعُهُ فَإِنْ أَبَى فَأَطْعِمْهُ مِنْهُ " وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " فَلْيَدْعُهُ فَلْيَأْكُلْ مَعَهُ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل " وَفَاعِل أَبَى وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفْعَل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون السَّيِّد , وَالْمَعْنَى إِذَا تَرَفَّعَ عَنْ مُؤَاكَلَة غُلَامه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْخَادِم إِذَا تَوَاضَعَ عَنْ مُؤَاكَلَة سَيِّده , وَيُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل أَنَّ فِي رِوَايَة جَابِر عِنْد أَحْمَد " أُمِرْنَا أَنْ نَدْعُوهُ , فَإِنْ كَرِهَ أَحَدنَا أَنْ يَطْعَم مَعَهُ فَلْيُطْعِمْهُ فِي يَده " وَإِسْنَاده حَسَن. قَوْله ( فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن ) بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ اللُّقْمَة , وَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ بِحَسَبِ حَال الطَّعَام وَحَال الْخَادِم , وَقَوْله " أَوْ لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ " هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ " لُقْمَة " فَقَطْ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم تَقْيِيد ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الطَّعَام قَلِيلًا وَلَفْظه " فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهًا قَلِيلًا " وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ " يَعْنِي قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَده مِنْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن " قَالَ أَبُو دَاوُدَ : يَعْنِي لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ , وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّعَام إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِمَّا أَنْ يُقْعِدهُ مَعَهُ وَإِمَّا أَنْ يَجْعَل حَظّه مِنْهُ كَثِيرًا. قَوْله ( فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ ) أَيْ عِنْد الطَّبْخ ( وَعِلَاجه ) أَيْ عِنْد تَحْصِيل آلَاته , وَقَبْل وَضْع الْقِدْر عَلَى النَّار , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي مَعْنَى الطَّبَّاخ حَامِل الطَّعَام لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ تَعَلُّق نَفْسه بِهِ , بَلْ يُؤْخَذ مِنْهُ الِاسْتِحْبَاب فِي مُطْلَق خَدَم الْمَرْء مِمَّنْ يُعَانِي ذَلِكَ , وَإِلَى ذَلِكَ يُومِئ إِطْلَاق التَّرْجَمَة , وَفِي هَذَا تَعْلِيل الْأَمْر الْمَذْكُور , وَإِشَارَة إِلَى أَنَّ لِلْعَيْنِ حَظًّا فِي الْمَأْكُول فَيَنْبَغِي صَرْفهَا بِإِطْعَامِ صَاحِبهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَام لِتَسْكُن نَفْسه فَيَكُون أَكَفّ لِشَرِّهِ. قَالَ الْمُهَلَّب : هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي الْأَمْر بِالتَّسْوِيَةِ مَعَ الْخَادِم فِي الْمَطْعَم وَالْمَلْبَس , فَإِنَّهُ جَعَلَ الْخِيَار إِلَى السَّيِّد فِي إِجْلَاس الْخَادِم مَعَهُ وَتَرْكه. قُلْت : وَلَيْسَ فِي الْأَمْر فِي قَوْله فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ " أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ " إِلْزَام بِمُؤَاكَلَةِ الْخَادِم , بَلْ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَأْثِر عَلَيْهِ بِشَيْءِ بَلْ يُشْرِكهُ فِي كُلّ شَيْء , لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يَدْفَع بِهِ شَرّ عَيْنه. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ جَمِيع أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْوَاجِب إِطْعَام الْخَادِم مِنْ غَالِب الْقُوت الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ مِثْله فِي تِلْكَ الْبَلَد , وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي الْأُدْم وَالْكِسْوَة , وَأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَأْثِر بِالنَّفِيسِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَل أَنْ يُشْرِك مَعَهُ الْخَادِم فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاخْتَلَفَ حُكْم هَذَا الْأَمْر بِالْإِجْلَاسِ أَوْ الْمُنَاوَلَة , فَقَالَ الشَّافِعِيّ بَعْد أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيث : هَذَا عِنْدنَا وَاللَّهُ أَعْلَم عَلَى وَجْهَيْنِ : أَوَّلهمَا بِمَعْنَاهُ أَنَّ إِجْلَاسه مَعَهُ أَفْضَل , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ , أَوْ يَكُون بِالْخِيَارِ بَيْن أَنْ يُجْلِسهُ أَوْ يُنَاوِلهُ , وَقَدْ يَكُون أَمْره اِخْتِيَارًا غَيْر حَتْم ا ه. وَرَجَّحَ الرَّافِعِيّ الِاحْتِمَال الْأَخِير , وَحَمَلَ الْأَوَّل عَلَى الْوُجُوب , وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِجْلَاس لَا يَتَعَيَّن , لَكِنْ إِنْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَل وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ الْمُنَاوَلَة , وَيُحْتَمَل أَنَّ الْوَاجِب أَحَدهمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْر لِلنَّدَبِ مُطْلَقًا. ( تَنْبِيهٌ ) : فِي قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم " فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهًا " بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء فَسَّرَهُ بِالْقَلِيلِ , وَأَصْله الْمَاء الَّذِي تَكْثُر عَلَيْهِ الشِّفَاه حَتَّى يَقِلّ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَحِلّ الْإِجْلَاس أَوْ الْمُنَاوَلَة مَا إِذَا كَانَ الطَّعَام قَلِيلًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَثِيرًا وَسِعَ السَّيِّد وَالْخَادِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلَّة فِي الْأَمْر بِذَلِكَ أَنْ تَسْكُن نَفْس الْخَادِم بِذَلِكَ , وَهُوَ حَاصِل مَعَ الْكَثْرَة دُون الْقِلَّة , فَإِنَّ الْقِلَّة مَظِنَّة أَنْ لَا يَفْضُل مِنْهُ شَيْء. وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله " فَإِنْ كَانَ مَشْفُوهًا " أَنَّ الْأَمْر الْوَارِد لِمَنْ طَبَخَ بِتَكْثِيرِ الْمَرَق لَيْسَ عَلَى سَبِيل الْوُجُوب , وَاللَّهُ أَعْلَم.