💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( وَعَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أَصَابَنِي جَهْد شَدِيد ) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله. وَذَكَرَ مُحَدِّث الدِّيَار الْحَلَبِيَّة بُرْهَان الدِّين أَنَّ شَيْخنَا الشَّيْخ سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيَّ اِسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيب وَقَالَ : قَوْله " وَعَنْ أَبِي حَازِم " لَا يَصِحّ عَطْفه عَلَى قَوْله عَنْ أَبِيهِ لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ إِسْقَاط فُضَيْلٍ فَيَكُون مُنْقَطِعًا إِذْ يَصِير التَّقْدِير عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي حَازِم , قَالَ : وَلَا يَصِحّ عَطْفه عَلَى قَوْله " وَعَنْ أَبِي حَازِم " لِأَنَّ الْمُحَدِّث الَّذِي لَمْ يُعَيَّن هُوَ مُحَمَّد بْنُ فُضَيْلٍ فَيَلْزَم الِانْقِطَاع أَيْضًا. قَالَ : وَكَانَ اللَّائِق أَنْ يَقُول : وَبِهِ إِلَى أَبِي حَازِم انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ تَلَقَّفَهُ مِنْ شَيْخنَا فِي مَجْلِس بِسَمَاعِهِ لِلْبُخَارِيِّ , وَإِلَّا فَلَمْ يُسْمَع بِأَنَّ الشَّيْخ شَرَحَ هَذَا الْمَوْضِع , وَالْأَوَّل مُسَلَّم , وَالثَّانِي مَرْدُود لِأَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ عَطْف الرَّاوِي لِحَدِيثِ عَلَى الرَّاوِي بِعَيْنِهِ لِحَدِيثٍ آخَرَ , فَكَأَنَّ يُوسُف قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِم بِكَذَا وَعَنْ أَبِي حَازِم بِكَذَا , وَاللَّائِق الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيح لَكِنَّهُ لَا يَتَعَيَّن , بَلْ لَوْ قَالَ : وَبِهِ إِلَى أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِم لَصَحَّ , أَوْ حَذَفَ قَوْله " عَنْ أَبِيهِ " فَقَالَ : وَبِهِ عَنْ أَبِي حَازِم لَصَحَّ , وَحَدَّثَنَا تَكُون بِهِ مُقَدَّرَة وَالْمُقَدَّرَة فِي حُكْم الْمَلْفُوظ. وَأَوْضَح مِنْهُ أَنَّ قَوْله " وَعَنْ أَبِي حَازِم " مَعْطُوف عَلَى قَوْله " حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ إِلَخْ " فَحَذَفَ مَا بَيْنهمَا لِلْعِلْمِ بِهِ , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن أَبَانَ عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ بِسَنَدٍ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَظَهَرَ أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الْمَذْكُور كَمَا قُلْته أَوَّلًا وَلِلَّهِ الْحَمْد. قَوْله ( أَصَابَنِي جَهْد شَدِيد ) أَيْ مِنْ الْجُوع , وَالْجَهْد تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ بِمَعْنًى وَالْمُرَاد بِهِ الْمَشَقَّة , وَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. قَوْله ( فَاسْتَقْرَأْته آيَة ) أَيْ سَأَلْته أَنْ يَقْرَأ عَلَيَّ آيَة مِنْ الْقُرْآن مُعَيَّنَة عَلَى طَرِيق الِاسْتِفَادَة , وَفِي غَالِب النُّسَخ " فَاسْتَقْرَيْته " بِغَيْرِ هَمْزَة , وَهُوَ جَائِز عَلَى التَّسْهِيل وَإِنْ كَانَ أَصْله الْهَمْزَة. قَوْله ( فَدَخَلَ دَاره وَفَتَحَهَا عَلَيَّ ) أَيْ قَرَأَهَا عَلَيَّ وَأَفْهَمَنِي إِيَّاهَا , وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَة أَبِي هُرَيْرَة فِي " الْحِلْيَة لِأَبِي نُعَيْمٍ " مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ الْآيَة الْمَذْكُورَة مِنْ سُورَة آل عُمْرَانِ , وَفِيهِ " فَقُلْت لَهُ أَقْرِئْنِي وَأَنَا لَا أُرِيدَ الْقِرَاءَة وَإِنَّمَا أُرِيدَ الْإِطْعَام " وَكَأَنَّهُ سَهَّلَ الْهَمْزَة فَلَمْ يَفْطِن عُمَر لِمُرَادِهِ. قَوْله ( فَخَرَرْت لِوَجْهِي مِنْ الْجَهْد ) أَيْ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَوَّلًا وَهُوَ شِدَّة الْجُوع , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي " الْحِلْيَة " أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا وَأَنَّهُ لَمْ يَجِد مَا يُفْطِر عَلَيْهِ. قَوْله ( فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ ) بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُهْمَلَة هُوَ الْقَدْح الْكَبِير. قَوْله ( حَتَّى اِسْتَوَى بَطْنِي ) أَيْ اِسْتَقَامَ مِنْ اِمْتِلَائِهِ مِنْ اللَّبَن. قَوْله ( كَالْقِدْحِ ) بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الدَّال بَعْدهَا حَاء مُهْمَلَة هُوَ السَّهْم الَّذِي لَا رِيش لَهُ , وَسَيَأْتِي لِأَبِي هُرَيْرَة قِصَّة فِي شُرْب اللَّبَن مُطَوَّلَة فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَفِيهَا أَنَّهُ قَالَ " اِشْرَبْ , فَقَالَ : لَا أَجِد لَهُ مَسَاغًا " وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز الشِّبَع وَلَوْ حُمِلَ الْمُرَاد بِنَفْيِ الْمَسَاغ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَته لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى الشِّبَع , وَاللَّهُ أَعْلَم. ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَ لِي مُحَدِّث الدِّيَار الْحَلَبِيَّة بُرْهَان الدِّين أَنَّ شَيْخنَا سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيَّ قَالَ : لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مَا يَدُلّ عَلَى الْأَطْعِمَة الْمُتَرْجَم عَلَيْهَا الْمَتْلُوّ فِيهَا الْآيَات الْمَذْكُورَة قُلْت : وَهُوَ ظَاهِر إِذَا كَانَ الْمُرَاد مُجَرَّد ذِكْر أَنْوَاع الْأَطْعِمَة , أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُرَاد بِهَا ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ مِنْ أَحْوَالهَا وَصِفَاتهَا فَالْمُنَاسَبَة ظَاهِرَة , لِأَنَّ مِنْ جُمْلَة أَحْوَالهَا النَّاشِئَة عَنْهَا الشِّبَع وَالْجُوع ; وَمِنْ جُمْلَة صِفَاتهَا الْحِلّ وَالْحُرْمَة وَالْمُسْتَلَذّ وَالْمُسْتَخْبَث , وَمِمَّا يَنْشَأ عَنْهَا الْإِطْعَام وَتَرْكه , وَكُلّ ذَلِكَ ظَاهِر مِنْ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة. وَأَمَّا الْآيَات فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ الْإِذْن فِي تَنَاوُل الطَّيِّبَات , فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْأَحَادِيثِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِنَوْعٍ مِنْ الْحَلَال وَلَا الْمُسْتَلَذّ وَلَا بِحَالَةِ الشِّبَع وَلَا بِسَدِّ الرَّمَق , بَلْ يَتَنَاوَل ذَلِكَ بِحَسَبِ الْوِجْدَان وَبِحَسَبِ الْحَاجَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله ( تَوَلَّى ذَلِكَ ) أَيْ بَاشَرَهُ مِنْ إِشْبَاعِي وَدَفْع الْجُوع عَنِّي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي رِوَايَة " تَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ " قَالَ و " مَنْ " عَلَى هَذَا مَفْعُول , وَعَلَى الْأَوَّل فَاعِل اِنْتَهَى. وَيَكُون " تَوَلَّى " عَلَى الثَّانِي بِمَعْنَى وَلَّى. قَوْله ( وَلَأَنَا أَقْرَأ لَهَا مِنْك ) فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ عُمَر لَمَّا قَرَأَهَا عَلَيْهِ تَوَقَّفَ فِيهَا أَوْ فِي شَيْء مِنْهَا حَتَّى سَاغَ لِأَبِي هُرَيْرَة مَا قَالَ , وَلِذَلِكَ أَقَرَّهُ عُمَر عَلَى قَوْله. قَوْله ( أَدْخَلْتُك ) أَيْ الدَّار وَأَطْعَمْتُك. قَوْله ( حُمْر النَّعَم ) أَيْ الْإِبِل , وَلِلْحُمْرِ مِنْهَا فَضْل , عَلَى غَيْرهَا مِنْ أَنْوَاعهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب الْبَحْث فِي تَخْصِيصهَا بِالذِّكْرِ وَالْمُرَاد بِهِ , وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " كُنْت أَسْتَقْرِئ الرَّجُل الْآيَة وَهِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِب مَعِي فَيُطْعِمنِي " قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتهمْ إِذَا اِسْتَقْرَأَ أَحَدهمْ صَاحِبه الْقُرْآن أَنْ يَحْمِلهُ إِلَى مَنْزِله وَيُطْعِمهُ مَا تَيَسَّرَ , وَيُحْمَل مَا وَقَعَ مِنْ عُمَر عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ شُغْل عَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ , أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يُطْعِمهُ حِينَئِذٍ اِنْتَهَى وَيُبْعِد الْأَخِير تَأَسُّف عُمَر عَلَى فَوْت ذَلِكَ. وَذَكَرَ لِي مُحَدِّث الدِّيَار الْحَلَبِيَّة أَنَّ شَيْخنَا سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيَّ اِسْتَبْعَدَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة لِعُمَر " لَأَنَا أَقْرَأ لَهَا مِنْك يَا عُمَر " مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا مَهَابَة عُمَر , وَالثَّانِي عَدَم اِطِّلَاع أَبِي هُرَيْرَة عَلَى أَنَّ عُمَر لَمْ يَكُنْ يَقْرَؤُهَا مِثْله. قُلْت : عَجِبْت مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض , فَإِنَّهُ يَتَضَمَّن الطَّعْن عَلَى بَعْض رُوَاة الْحَدِيث الْمَذْكُور بِالْغَلَطِ مَعَ وُضُوح تَوْجِيهه , أَمَّا الْأَوَّل فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة خَاطَبَ عُمَر بِذَلِكَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَالَة كَانَ عُمَر فِيهَا فِي صُورَة الْخَجْلَان مِنْهُ فَجَسَرَ عَلَيْهِ , وَأَمَّا الثَّالِث فَيَعْكِس وَيُقَال : وَمَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَة لِيَقُولَ ذَلِكَ إِلَّا بَعْد اِطِّلَاعه , فَلَعَلَّهُ سَمِعَهَا مِنْ لَفْظ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُنْزِلَتْ وَمَا سَمِعَهَا عُمَر مَثَلًا إِلَّا بِوَاسِطَةٍ.