💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ ) هِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة حَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْب بْنِ كَيْسَانَ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْمُسْتَخْرَج " مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالَ فِيهِ " عَنْ هِشَام عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ " فَقَطْ وَتَقَدَّمَ أَصْل هَذَا الْحَدِيث فِي " بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة " مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ اِمْرَأَته فَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر كِلَاهُمَا عَنْ أَسْمَاء , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ هِشَامًا حَمَلَهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ اِمْرَأَته وَعَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ وَلَعَلَّ عِنْده عَنْ بَعْضهمْ مَا لَيْسَ عِنْد الْآخَر , فَإِنَّ الرِّوَايَة الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَيْسَ فِيهَا قَوْله يُعَيِّرُونَ وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْعَار , وَابْن الزُّبَيْر هُوَ عَبْد اللَّه , وَالْمُرَاد بِأَهْلِ الشَّام عَسْكَر الْحَجَّاج بْن يُوسُف حَيْثُ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُ مِنْ قِبَل عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان , أَوْ عَسْكَر الْحُصَيْن بْن نُمَيْر الَّذِينَ قَاتَلُوهُ قَبْل ذَلِكَ مِنْ قِبَل يَزِيد بْنِ مُعَاوِيَة. قَوْله ( يُعَيِّرُونَك بِالنِّطَاقَيْنِ ) قِيلَ الْأَفْصَح أَنْ يُعَدَّى التَّعْيِير بِنَفْسِهِ تَقُول عَيَّرْته كَذَا , وَقَدْ سُمِعَ هَكَذَا مِثْل مَا هُنَا. قَوْله ( وَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَيْنِ ) كَذَا أَوْرَدَهُ بَعْض الشُّرَّاح , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الصَّوَاب النِّطَاقَانِ بِالرَّفْعِ , وَأَنَا لَمْ أَقِف عَلَيْهِ فِي النُّسَخ إِلَّا بِالرَّفْعِ , فَإِنْ ثَبَتَ رِوَايَة بِغَيْرِ الْأَلْف أَمْكَنَ تَوْجِيهُهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَانَ فِي الْأَصْل " وَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ شَأْن النِّطَاقَيْنِ " فَسَقَطَ لَفْظ شَأْن أَوْ نَحْوه. قَوْله ( إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْته نِصْفَيْنِ فَأَوْكَيْت ) تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق هُوَ الَّذِي أَمَرَهَا بِذَلِكَ لَمَّا هَاجَرَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله ( يَقُول إِيهًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ " اِبْنهَا " بِمُوَحَّدَةٍ وَنُون وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَدْ وُجِّهَ بِأَنَّهُ مَقُول الرَّاوِي وَالضَّمِير لِأَسْمَاءِ وَابْنهَا هُوَ اِبْن الزُّبَيْر , وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَقَالَ : هُوَ فِي سَائِر الرِّوَايَات " اِبْنهَا " وَذَكَره الْخَطَّابِيُّ بِلَفْظِ " إِيهًا " ا ه و قَوْله ( وَالْإِلَه ) فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن يُونُس " إِيهًا وَرَبّ الْكَعْبَة " قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِيهًا بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَبِالتَّنْوِينِ مَعْنَاهَا الِاعْتِرَاف بِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ وَالتَّقْرِير لَهُ , تَقُول الْعَرَب فِي اِسْتِدْعَاء الْقَوْل مِنْ الْإِنْسَان : إِيهًا وَإِيه بِغَيْرِ تَنْوِينٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَعْلَب وَغَيْره إِذَا اِسْتَزَدْت مِنْ الْكَلَام قُلْت إِيه , وَإِذَا أَمَرْت بِقَطْعِهِ قُلْت إِيهًا ا ه. وَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاض بِجَيِّدٍ لِأَنَّ غَيْر ثَعْلَب قَدْ جَزَمَ بِأَنَّ إِيهًا كَلِمَة اِسْتِزَادَة , وَارْتَضَاهُ وَحَرَّرَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ : إِيهًا بِالتَّنْوِينِ , لِلِاسْتِزَادَةِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِين لِقَطْعِ الْكَلَام , وَقَدْ تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى كَيْف. قَوْله ( تِلْكَ شَكَاة ظَاهِر عَنْك عَارهَا ) شَكَاة بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة مَعْنَاهُ رَفْع الصَّوْت بِالْقَوْلِ الْقَبِيح , وَلِبَعْضِهِمْ بِكَسْرِ الشِّين , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَهُوَ مَصْدَر شَكَا يَشْكُو شِكَايَة وَشَكْوَى وَشَكَاة , وَظَاهِر أَيْ زَائِل , قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ اِرْتَفَعَ عَنْك فَلَمْ يَعْلَق بِك , وَالظُّهُور يُطْلَق عَلَى الصُّعُود وَالِارْتِفَاع , وَمِنْ هَذَا قَوْل اللَّه تَعَالَى ( فَمَا اِسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ مِنْهُ ( وَمَعَارِج عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ) قَالَ : وَتَمَثَّلَ اِبْن الزُّبَيْر بِمِصْرَاعِ بَيْت لِأَبِي ذُؤَيْب الْهُذَلِيِّ وَأَوَّله " وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبّهَا " يَعْنِي لَا بَأْس بِهَذَا الْقَوْل وَلَا عَار فِيهِ , قَالَ مُغَلْطَاي : وَبَعْد بَيْت الْهُذَلِيِّ : فَإِنْ أَعْتَذِرْ مِنْهَا فَإِنِّي مُكَذَّب وَإِنْ تَعْتَذِرْ يُرْدَدْ عَلَيْك اِعْتِذَارُهَا وَأَوَّل هَذِهِ الْقَصِيدَة : هَلْ الدَّهْر إِلَّا لَيْلَة وَنَهَارهَا وَإِلَّا طُلُوع الشَّمْس ثُمَّ غِيَارهَا أَبَى الْقَلْب إِلَّا أُمّ عَمْرو فَأَصْبَحَتْ تُحْرِّق نَارِي بِالشَّكَاةِ وَنَارهَا وَبَعْده " وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبّهَا " الْبَيْت , وَهِيَ قَصِيدَة تَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ بَيْتًا. وَتَرَدَّدَ اِبْن قُتَيْبَة هَلْ أَنْشَأَ اِبْن الزُّبَيْر هَذَا الْمِصْرَاع أَوْ أَنْشَدَهُ مُتَمَثِّلًا بِهِ ؟ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ غَيْره الثَّانِي وَهُوَ الْمُعْتَمَد , لِأَنَّ هَذَا مَثَل مَشْهُور , وَكَانَ اِبْن الزُّبَيْر يُكْثِر التَّمَثُّل بِالشِّعْرِ , وَقَلَّمَا أَنْشَأَهُ.