💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل ) هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ. قَوْله ( قُلْت لِابْنِ عُمَر : رَجُل قَذَفَ اِمْرَأَته ) أَيْ مَا الْحُكْم فِيهِ ؟ وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْر فَزَادَ فِي أَوَّله " قَالَ لَمْ يُفَرِّق الْمُصْعَب - يَعْنِي اِبْن الزُّبَيْر - بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ , أَيْ حَيْثُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاق , قَالَ سَعْد فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر. وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد " سُئِلَتْ عَنْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي اِمْرَأَة مُصْعَب بْنِ الزُّبَيْر فَمَا دَرَيْت مَا أَقُول , فَمَضَيْت إِلَى مَنْزِل اِبْن عُمَر بِمَكَّة " الْحَدِيث وَفِيهِ " فَقُلْت يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنهمَا ؟ قَالَ : سُبْحَان اللَّه , نَعَمْ , إِنَّ أَوَّل مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَان اِبْن فُلَان , وَعُرِفَ مِنْ قَوْله بِمَكَّة أَنَّ فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا حَذْفًا تَقْدِيره فَسَافَرْت إِلَى مَكَّة فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ " كُنَّا بِالْكُوفَةِ نَخْتَلِف فِي الْمُلَاعَنَة , يَقُول بَعْضنَا يُفَرَّق بَيْنهمَا وَيَقُول بَعْضنَا لَا يُفَرَّق " وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ كَانَ قَدِيمًا , وَقَدْ اِسْتَمَرَّ عُثْمَان الْبَتِّيّ مِنْ فُقَهَاء الْبَصْرَة عَلَى أَنَّ اللِّعَان لَا يَقْتَضِي الْفُرْقَة كَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْهُ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ حَدِيث اِبْن عُمَر. قَوْله ( فَرَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَان ) سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بَاب , وَتَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتهمَا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ " بَيْن أَحَد بَنِي الْعَجْلَان " بِحَاءٍ وَدَال مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيف. قَوْله ( وَقَالَ : اللَّه يَعْلَم إِنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَسَقَطَتْ اللَّام لِغَيْرِهِ. قَوْله ( فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِب ؟ فَأَبَيَا ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل صُدُور اللِّعَان بَيْنهمَا , وَسَيَأْتِي أَيْضًا. قَوْله ( قَالَ أَيُّوب ) هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمُبْدَأ بِهِ. قَوْله ( فَقَالَ لِي عَمْرو بْن دِينَار أَنَّ فِي الْحَدِيث شَيْئًا لَا أَرَاك تُحَدِّثهُ , قَالَ قَالَ الرَّجُل : مَالِي , قَالَ قِيلَ لَا مَال لَك إِلَى آخِره ) حَاصِله أَنَّ عَمْرو بْن دِينَار وَأَيُّوب سَمِعَا الْحَدِيث جَمِيعًا مِنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فَحَفِظَ فِيهِ عَمْرو مَا لَمْ يَحْفَظهُ أَيُّوب , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة حَيْثُ رَوَاهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا , فَوَقَعَ فِي رِوَايَته عَنْ عَمْرو بِسَنَدِهِ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ : حِسَابكُمَا عَلَى اللَّه , أَحَدكُمَا كَاذِب , لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا. قَالَ : مَالِي قَالَ لَا مَال لَك " أَمَّا مَعْنَى قَوْله " لَا سَبِيل لَك " أَيْ لَا تَسْلِيط , وَأَمَّا قَوْله " مَالِي " فَإِنَّهُ فَاعِل فِعْل مَحْذُوف , كَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا قَالَ : أَيَذْهَبُ مَالِي ؟ وَالْمُرَاد بِهِ الصَّدَاق. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَوْله " مَالِي " أَيْ الصَّدَاق الَّذِي دَفَعْته إِلَيْهَا , فَأُجِيب بِأَنَّك اِسْتَوْفَيْته بِدُخُولِك عَلَيْهَا , وَتَمْكِينهَا لَك مِنْ نَفْسهَا. ثُمَّ أَوْضَحَ لَهُ ذَلِكَ بِتَقْسِيمِ مُسْتَوْعَب فَقَالَ : إِنْ كُنْت صَادِقًا فِيمَا اِدَّعَيْته عَلَيْهَا فَقَدْ اِسْتَوْفَيْت حَقّك مِنْهَا قَبْل ذَلِكَ , وَإِنْ كُنْت كَذَبَتْ عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَد لَك مِنْ مُطَالَبَتهَا لِئَلَّا تَجْمَع عَلَيْهَا الظُّلْم فِي عِرْضهَا وَمُطَالَبَتهَا بِمَالٍ قَبَضَتْهُ مِنْك قَبْضًا صَحِيحًا تَسْتَحِقُّهُ. وَعُرِفَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة اِسْم الْقَائِل " لَا مَال لَك " حَيْثُ أُبْهِم فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ " قِيلَ لَا مَال لَك " مَعَ أَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ عَنْ زِيَاد بْن أَيُّوب عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ بِلَفْظِ " قَالَ لَا مَال لَك " وَقَوْله " فَقَدْ دَخَلْت بِهَا " فَسَّرَهُ فِي رِوَايَة سُفْيَان بِلَفْظِ " فَهُوَ بِمَا اِسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجهَا " وَقَوْله " فَهُوَ أَبْعَد مِنْك " كَذَا عِنْد النَّسَائِيِّ أَيْضًا , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ " فَهُوَ أَبْعَد لَك " وَسَيَأْتِي قَبْل كِتَاب النَّفَقَات سَوَاء مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَفْظِ " فَذَلِكَ أَبْعَد وَأَبْعَد لَك مِنْهَا " وَكَرَّرَ لَفْظ أَبْعَد تَأْكِيدًا , قَوْله " ذَلِكَ " الْإِشَارَة إِلَى الْكَذِب , لِأَنَّهُ مَعَ الصِّدْق يَبْعُد عَلَيْهِ اِسْتِحْقَاق إِعَادَة الْمَال فَفِي الْكَذِب أَبْعَد , وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله " فَهُوَ بِمَا اِسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجهَا " أَنَّ الْمُلَاعَنَة لَوْ أَكَذَبَتْ نَفْسهَا بَعْد اللِّعَان وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدّ , لَكِنْ لَا يَسْقُط مَهْرهَا.