" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ " .
" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ ". قَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَىْءٍ.
قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَهِشَام هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ. قَوْله ( عَنْ زُرَارَة ) تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَائِل الْعِتْق , وَذَكَرْت فِيهِ بَعْض فَوَائِده , وَيَأْتِي بَقِيَّتهَا فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَقَوْله " مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا " بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَذَكَرَ الْمُطَرِّزِيّ عَنْ أَهْل اللُّغَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اِخْتِيَارهَا , وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ قَالَ لَيْسَ عِنْد قَتَادَةَ حَدِيث أَحْسَن مِنْ هَذَا , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة فِي أَنَّ الْمُوَسْوَسَ لَا يَقَع طَلَاقه وَالْمَعْتُوه وَالْمَجْنُون أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ , وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيث لِلْجُمْهُورِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِق وَنَوَى فِي نَفْسه ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَع إِلَّا وَاحِدَة - خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ - قَالَ : لِأَنَّ الْخَبَر دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز وُقُوع الطَّلَاق بِنِيَّةٍ لَا لَفْظ مَعَهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ وَنَوَى الْفُرْقَة التَّامَّة فَهِيَ نِيَّة صَحِبَهَا لَفْظ ; وَاحْتُجَّ بِهِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا فُلَانَة وَنَوَى بِذَلِكَ طَلَاقهَا أَنَّهَا لَا تَطْلُق , خِلَافًا لِمَالِك وَغَيْره , لِأَنَّ الطَّلَاق لَا يَقَع بِالنِّيَّةِ دُون اللَّفْظ وَلَمْ يَأْتِ بِصِيغَةٍ لَا صَرِيحَة وَلَا كِنَايَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاق طَلُقَتْ اِمْرَأَته لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمَل بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَشَرْط مَالِك فِيهِ الْإِشْهَاد عَلَى ذَلِكَ , وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِذَا طَلَّقَ نَفْسه طَلُقَتْ - وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَالزُّهْرِيّ - وَعَنْ مَالِك رِوَايَة ذَكَرَهَا أَشْهَب عَنْهُ وَقَوَّاهَا اِبْن الْعَرَبِيّ , بِأَنَّ مَنْ اِعْتَقَدَ الْكُفْر بِقَلْبِهِ كَفَرَ وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَعْصِيَة أَثِمَ , وَكَذَلِكَ مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَأُعْجِبَ , وَكَذَا مَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا بِقَلْبِهِ , وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَال الْقَلْب دُون اللِّسَان. وَأُجِيب بِأَنَّ الْعَفْو عَنْ حَدِيث النَّفْس مِنْ فَضَائِل هَذِهِ الْأُمَّة , وَالْمُصِرّ عَلَى الْكُفْر لَيْسَ مِنْهُمْ , وَبِأَنَّ الْمُصِرّ عَلَى الْمَعْصِيَة الْآثِم مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَمَل الْمَعْصِيَة لَا مَنْ لَمْ يَعْمَل مَعْصِيَة قَطُّ , وَأَمَّا الرِّيَاء وَالْعُجْب وَغَيْر ذَلِكَ فَكُلّه مُتَعَلِّق بِالْأَعْمَالِ. وَاحْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الظِّهَار لَا يَصِير مُظَاهِرًا قَالَ : وَكَذَلِكَ الطَّلَاق , وَكَذَا لَوْ حَدَّثَ نَفْسه بِالْقَذْفِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا , وَلَوْ كَانَ حَدِيث النَّفْس يُؤَثِّر لَأَبْطَلَ الصَّلَاة , وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيث الصَّحِيح عَلَى أَنَّ تَرْك الْحَدِيث مَنْدُوب فَلَوْ وَقَعَ لَمْ تَبْطُل , وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِي الصَّلَاة فِي ذَلِكَ فِي قَوْل عُمَر " إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاة " الْحَدِيث الثَّانِي حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة الَّذِي أَقَرَّ بِالزِّنَا فَرُجِمَ , ذَكَرهَا مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحُدُود , وَالْمُرَاد مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة مِنْ قَوْله " هَلْ بِك جُنُون " فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُعْمَل بِإِقْرَارِهِ , وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَام هَلْ كَانَ بِك جُنُون أَوْ هَلْ تُجَنّ تَارَة وَتُفِيق تَارَة ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حِين الْمُخَاطَبَة مُفِيقًا. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَجَّهَ لَهُ الْخِطَاب وَالْمُرَاد اِسْتِفْهَام مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ يَعْرِف حَاله , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيث الثَّالِث حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , أَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا أَيْضًا فِي الْحُدُود , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة " أَنَّ الْآخِر قَدْ زَنَى " بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ الْمُتَأَخِّر عَنْ السَّعَادَة وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْأَرْذَل. قَوْله ( وَقَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسه فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ) وَصَلَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَن قَالَا : مَنْ طَلَّقَ سِرًّا فِي نَفْسه فَلَيْسَ طَلَاقه ذَلِكَ بِشَيْءٍ , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور وَخَالَفَهُمْ اِبْن سِيرِينَ وَابْن شِهَاب فَقَالَا تَطْلُقُ , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك. ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ هَذَا الْأَثَر عَنْ قَتَادَةَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَقِب حَدِيث قَتَادَةَ الْمَرْفُوع الْمَذْكُور هُنَا بَعْدُ , فَلَمَّا سَاقَهُ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع قَالَ بَعْده " قَالَ قَتَادَةُ " فَذَكَرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ
" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ " .
" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ " .
" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ وَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ " .
إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ
" إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي كُلَّ شَىْءٍ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ " .
