💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( التُّسْتَرِيُّ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة. قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة ) قَدْ سَمِعَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ عَائِشَة كَثِيرًا وَكَثِيرًا أَيْضًا مَا يَدْخُل بَيْنهَا وَبَيْنه وَاسِطَة , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيث فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْجَزَّار عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة , وَمِنْ طَرِيق زَيْد بْن إِبْرَاهِيم كَمَا فِي الْبَاب بِزِيَادَةِ الْقَاسِم , ثُمَّ قَالَ : رَوَى غَيْر وَاحِد هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَاسِم , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد بْن سَلَمَة جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِم , فَلَمْ يَنْفَرِد يَزِيد بِزِيَادَةِ الْقَاسِم : وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ بِغَيْرِ ذِكْر الْقَاسِم أَيُّوب أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه , وَنَافِع بْن عُمَر , وَابْن جُرَيْجٍ وَغَيْرهمَا. قَوْله : ( تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ قَرَأَ ( هَذِهِ الْآيَة : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) قَالَ أَبُو الْبَقَاء : أَصْل الْمُتَشَابِه أَنْ يَكُون بَيْن اِثْنَيْنِ , فَإِذَا اِجْتَمَعَتْ الْأَشْيَاء الْمُتَشَابِهَة كَانَ كُلّ مِنْهَا مُشَابِهًا لِلْآخَرِ فَصَحَّ وَصْفهَا بِأَنَّهَا مُتَشَابِهَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ الْآيَة وَحْدهَا مُتَشَابِهَة فِي نَفْسهَا. وَحَاصِله أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْط صِحَّة الْوَصْف فِي الْجَمْع صِحَّة اِنْبِسَاط مُفْرَدَات الْأَوْصَاف عَلَى مُفْرَدَات الْمَوْصُوفَات , وَإِنْ كَانَ الْأَصْل ذَلِكَ. قَوْله : ( فَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) قَالَ الطَّبَرِيُّ قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْر عِيسَى , وَقِيلَ فِي أَمْر مُدَّة هَذِهِ الْأُمَّة , وَالثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ أَمْر عِيسَى قَدْ بَيَّنَهُ اللَّه لِنَبِيِّهِ فَهُوَ مَعْلُوم لِأُمَّتِهِ , بِخِلَافِ أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة فَإِنَّ عِلْمه خَفِيٌّ عَنْ الْعِبَاد. وَقَالَ غَيْره : الْمُحْكَم مِنْ الْقُرْآن مَا وَضَحَ مَعْنَاهُ , وَالْمُتَشَابِه نَقِيضه. وَسُمِّيَ الْمُحْكَم بِذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَدَات كَلَامه وَإِتْقَان تَرْكِيبه , بِخِلَافِ الْمُتَشَابِه. وَقِيلَ الْمُحْكَم مَا عُرِفَ الْمُرَاد مِنْهُ إِمَّا بِالظُّهُورِ وَإِمَّا بِالتَّأْوِيلِ , وَالْمُتَشَابِه مَا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِعِلْمِهِ كَقِيَامِ السَّاعَة , وَخُرُوج الدَّجَّال , وَالْحُرُوف الْمُقَطَّعَة فِي أَوَائِل السُّوَر. وَقِيلَ فِي تَفْسِير الْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِه أَقْوَال أُخْرَى غَيْر هَذِهِ نَحْو الْعَشَرَة لَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَسْطهَا , وَمَا ذَكَرْته أَشْهَرهَا وَأَقْرَبهَا إِلَى الصَّوَاب وَذَكَرَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ أَنَّ الْأَخِير هُوَ الصَّحِيح عِنْدنَا , وَابْن السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ أَحْسَن الْأَقْوَال وَالْمُخْتَار عَلَى طَرِيقَة أَهْل السُّنَّة , وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل جَرَى الْمُتَأَخِّرُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَاد بِالْمُحْكَمِ مَا اِتَّضَحَ مَعْنَاهُ , وَالْمُتَشَابِه بِخِلَافِهِ , لِأَنَّ اللَّفْظ الَّذِي يَقْبَل مَعْنًى إِمَّا أَنْ يَقْبَل غَيْره أَوْ لَا , الثَّانِي النَّصّ , وَالْأَوَّل إِمَّا أَنْ تَكُون دَلَالَته عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى رَاجِحَة أَوْ لَا , وَالْأَوَّل هُوَ الظَّاهِر , وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُون مُسَاوِيه أَوْ لَا , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُجْمَل , وَالثَّانِي الْمُؤَوَّل. فَالْمُشْتَرَك هُوَ النَّصّ , وَالظَّاهِر هُوَ الْمُحْكَم , وَالْمُشْتَرَك بَيْن الْمُجْمَل وَالْمُؤَوَّل هُوَ الْمُتَشَابِه. وَيُؤَيِّد هَذَا التَّقْسِيم أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَوْقَع الْمُحْكَم مُقَابِلًا لِلْمُتَشَابِهِ , فَالْوَاجِب أَنْ يُفَسَّر الْمُحْكَم بِمَا يُقَابِلهُ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أُسْلُوب الْآيَة وَهُوَ الْجَمْع مَعَ التَّقْسِيم لِأَنَّهُ تَعَالَى فَرَّقَ مَا جَمَعَ فِي مَعْنَى الْكِتَاب بِأَنْ قَالَ ( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَات وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) أَرَادَ أَنْ يُضِيف إِلَى كُلّ مِنْهُمَا مَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ الْحُكْم فَقَالَ أَوَّلًا ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ - إِلَى أَنْ قَالَ - وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) وَكَانَ يُمْكِن أَنْ يُقَال : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ اِسْتِقَامَة فَيَتَّبِعُونَ الْمُحْكَم , لَكِنَّهُ وَضَعَ مَوْضِع ذَلِكَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم لِإِتْيَانِ لَفْظ الرُّسُوخ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُل إِلَّا بَعْد التَّتَبُّع التَّامّ وَالِاجْتِهَاد الْبَلِيغ , فَإِذَا اِسْتَقَامَ الْقَلْب عَلَى طَرِيق الرَّشَاد وَرَسَخَ الْقَدَم فِي الْعِلْم أَفْصَحَ صَاحِبه النُّطْق بِالْقَوْلِ الْحَقّ , وَكَفَى بِدُعَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْم ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتنَا ) إِلَخْ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) مُقَابِل لِقَوْلِهِ : ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) وَفِيهِ إِشَارَة عَلَى أَنَّ الْوَقْف عَلَى قَوْله : ( إِلَّا اللَّه ) تَامّ وَإِلَى أَنَّ عِلْم بَعْض الْمُتَشَابِه مُخْتَصّ بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَأَنَّ مَنْ حَاوَلَ مَعْرِفَته هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ " فَاحْذَرُوهُمْ " وَقَالَ بَعْضهمْ : الْعَقْل مُبْتَلًى بِاعْتِقَادِ حَقِيقَة الْمُتَشَابِه كَابْتِلَاءِ الْبَدَن بِأَدَاءِ الْعِبَادَة , كَالْحَكِيمِ إِذَا صَنَّفَ كِتَابًا أَجْمَل فِيهِ أَحْيَانَا لِيَكُونَ مَوْضِع خُضُوع الْمُتَعَلِّم لِأُسْتَاذِهِ , وَكَالْمَلِكِ يَتَّخِذ عَلَامَة يَمْتَاز بِهَا مَنْ يُطْلِعهُ عَلَى سِرّ وَقِيلَ : لَوْ لَمْ يَقْبَل الْعَقْل الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْبَدَن لَاسْتَمَرَّ الْعَالِم فِي أُبَّهَة الْعِلْم عَلَى التَّمَرُّد , فَبِذَلِكَ يَسْتَأْنِس إِلَى التَّذَلُّل بِعِزِّ الْعُبُودِيَّة , وَالْمُتَشَابِه هُوَ مَوْضِع خُضُوع الْعُقُول لِبَارِيهَا اِسْتِسْلَامًا وَاعْتِرَافًا بِقُصُورِهَا , وَفِي خَتْم الْآيَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) تَعْرِيض بِالزَّائِغِينَ وَمَدْح لِلرَّاسِخَيْنِ , يَعْنِي مَنْ لَمْ يَتَذَكَّر وَيَتَّعِظ وَيُخَالِف هَوَاهُ فَلَيْسَ مِنْ أُولِي الْعُقُول , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاسِخُونَ ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبُنَا ) إِلَى آخِر الْآيَة , فَخَضَعُوا لِبَارِيهِمْ لِاشْتِرَاكِ الْعِلْم اللَّدُنِّي بَعْد أَنْ اِسْتَعَاذُوا بِهِ مِنْ الزَّيْغ النَّفْسَانِيّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَالَ غَيْره. دَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ بَعْض الْقُرْآن مُحْكَم وَبَعْضه مُتَشَابِه , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ قَوْله : ( أُحْكِمَتْ آيَاته ) وَلَا قَوْله : ( كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) حَتَّى زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ كُلّه مُحْكَم , وَعَكَسَ آخَرُونَ , لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْإِحْكَامِ فِي قَوْله : ( أُحْكِمَتْ ) الْإِتْقَان فِي النَّظْم وَأَنَّ كُلّهَا حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْمُرَاد بِالْمُتَشَابِهِ كَوْنه يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي حُسْن السِّيَاق وَالنَّظْم أَيْضًا , وَلَيْسَ الْمُرَاد اِشْتِبَاه مَعْنَاهُ عَلَى سَامِعه. وَحَاصِل الْجَوَاب أَنَّ الْمُحْكَم وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ , وَالْمُتَشَابِه وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( فَهُمْ الَّذِينَ سَمَّى اللَّه فَاحْذَرُوهُمْ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَاحْذَرْهُمْ " بِالْإِفْرَادِ وَالْأُولَى أَوْلَى , وَالْمُرَاد التَّحْذِير مِنْ الْإِصْغَار إِلَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِه مِنْ الْقُرْآن , وَأَوَّل مَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ الْيَهُود كَمَا ذَكَره اِبْن إِسْحَاق فِي تَأْوِيلهمْ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة وَأَنَّ عَدَدهَا بِالْجُمَلِ مِقْدَار مُدَّة هَذِهِ الْأُمَّة , ثُمَّ أَوَّل مَا ظَهَرَ فِي الْإِسْلَام مِنْ الْخَوَارِج حَتَّى جَاءَ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ فَسَّرَ بِهِمْ الْآيَة , وَقِصَّة عُمَر فِي إِنْكَاره عَلَى ضُبَيْعٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ يَتَّبِع الْمُتَشَابِه فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسه حَتَّى أَدْمَاهُ , أَخْرَجَهَا الدَّارِمِيُّ وَغَيْره. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُتَشَابِه عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا مَا إِذَا رُدَّ إِلَى الْمُحْكَم وَاعْتُبِرَ بِهِ عُرِفَ مَعْنَاهُ , وَالْآخَر مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف عَلَى حَقِيقَته , وَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعهُ أَهْل الزَّيْغ فَيَطْلُبُونَ تَأْوِيله , وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهه , فَيَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُفْتَنُونَ , وَاَللَّه أَعْلَم.