💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم وَغَيْرهمَا , وَوَقَعَ لِأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ " حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ " فَأَسْقَطَ ذِكْر مُحَمَّد الْمُهْمَل وَالصَّوَاب إِثْبَاته , وَلَعَلَّ اِبْن السَّكَن ظَنَّ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْبُخَارِيّ فَحَذَفَهُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْته , وَذَكَر أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ مَحْذُوفًا فِي رِوَايَة أَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيِّ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَاب إِثْبَاته اِنْتَهَى. وَكَلَام أَبِي نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي رِوَايَته عَنْ الْجُرْجَانِيِّ ثَابِت وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَيْضًا , وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ : هُوَ اِبْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فِيمَا أُرَاهُ , قَالَ وَقَالَ لِي الْحَاكِم : هُوَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْبُوشَنْجِيُّ , قَالَ وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا أَمْلَاهُ الْبُوشَنْجِيُّ بِنَيْسَابُور اِنْتَهَى. وَذَكَرَ الْحَاكِم هَذَا الْكَلَام فِي تَارِيخه عَنْ شَيْخه أَبِي عَبْد اللَّه بْن الْأَخْرَم , وَكَلَام أَبِي نُعَيْم يَقْتَضِي أَنَّهُ مُحَمَّد بْن إِدْرِيس أَبُو حَاتِم الرَّازِيَُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه , ثُمَّ قَالَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد عَنْ النُّفَيْلِيِّ , وَالنُّفَيْلِيُّ بِنُونٍ وَفَاء مُصَغَّر اِسْمه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن نُفَيْل يُكَنَّى أَبَا جَعْفَر , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ وَلَا لِشَيْخِهِ مِسْكِين بْن بُكَيْرٍ الْحَرَّانِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. قَوْله : ( حَدَّثَنَا شُعْبَة ) قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ : وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَد " حَدَّثَنَا مِسْكِين وَشُعْبَة " وَكُتِبَ بَيْن الْأَسْطُر : أُرَاهُ حَدَّثَنَا شُعْبَة , قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لَا شَكّ فِيهِ , وَمِسْكِين هَذَا إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ شُعْبَة. قَوْله : ( عَنْ مَرْوَان الْأَصْفَر ) تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْحَجّ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَآخَر فِي الْحَجّ. قَوْله : ( عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ اِبْن عُمَر ) لَمْ يَتَّضِح لِي مَنْ هُوَ الْجَازِم بِأَنَّهُ اِبْن عُمَر , فَإِنَّ الرِّوَايَة الْآتِيَة بَعْد هَذِهِ وَقَعَتْ بِلَفْظِ " أَحْسِبهُ اِبْن عُمَر " وَعِنْدِي فِي ثُبُوت كَوْنه اِبْن عُمَر تَوَقُّف لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَكُنْ اِطَّلَعَ عَلَى كَوْن هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة , فَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ : دَخَلْت عَلَى اِبْن عَبَّاس فَقُلْت : كُنْت عِنْد اِبْن عُمَر فَقَرَأَ ( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ) فَبَكَى , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَمًّا شَدِيدًا وَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه هَلَكْنَا , فَإِنَّ قُلُوبنَا لَيْسَتْ بِأَيْدِينَا. فَقَالَ : قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , فَقَالُوا , فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَة ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) وَأَصْله عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس دُون قِصَّة اِبْن عُمَر " وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن مَرْجَانَةَ يَقُول : كُنْت عِنْد اِبْن عُمَر فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة ( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ) فَقَالَ : وَاَللَّه لَئِنْ وَاخَذَنَا اللَّه بِهَذَا لَنَهْلِكَنَّ , ثُمَّ بَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجه , فَقُمْت حَتَّى أَتَيْت اِبْن عَبَّاس فَذَكَرْت لَهُ مَا قَالَ اِبْن عُمَر وَمَا فَعَلَ حِين تَلَاهَا , فَقَالَ : يَغْفِر اللَّه لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن , لَعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حِين نَزَلَتْ مِثْل مَا وَجَدَ , فَأَنْزَلَ اللَّه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) الْآيَة اِشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوِّلًا وَفِيهَا " فَلَمَّا فَعَلُوا نَسَخَهَا اللَّه فَأَنْزَلَ اللَّه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) إِلَى آخِر السُّورَة , وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة اِبْن عُمَر. وَيُمْكِن أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ أَوَّلًا لَا يَعْرِف الْقِصَّة ثُمَّ لَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فَيَكُون مُرْسَل صَحَابِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم.