💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( أَنَّ أَبَا بَكْر تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ كَلْب ) أَيْ مِنْ بَنِي كَلْب , وَهُوَ كَلْب بْن عَوْف بْن عَامِر بْن لَيْث بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث " ثُمَّ مِنْ بَنِي عَوْف " وَأَمَّا الْكَلْبِيّ الْمَشْهُور فَهُوَ مِنْ بَنِي كَلْب بْن وَبَرَة بْن تَغْلِب بْن قُضَاعَة. قَوْله : ( أُمّ بَكْر ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَكَأَنَّهُ كُنْيَتهَا الْمَذْكُورَة. قَوْله : ( فَلَمَّا هَاجَرَ أَبُو بَكْر طَلَّقَهَا. فَتَزَوَّجَهَا اِبْن عَمّهَا هَذَا الشَّاعِر ) هُوَ أَبُو بَكْر شَدَّاد بْن الْأَسْوَد بْن عَبْد شَمْس بْن مَالِك بْن جَعُونَةَ , وَيُقَال لَهُ اِبْن شَعُوب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَضَمّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُوَحَّدَة , قَالَ اِبْن حَبِيب : هِيَ أُمّه وَهِيَ خُزَاعِيَّة , لَكِنْ سَمَّاهُ عَمْرو بْن شَمِر , وَأَنْشَدَ لَهُ أَشْعَارًا كَثِيرَة قَالَهَا فِي الْكُفْر , قَالَ : ثُمَّ أَسْلَمَ. وَذَكَرَ مِثْله اِبْن الْأَعْرَابِيّ فِي " كِتَاب مَنْ نُسِبَ إِلَى أُمّه " وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدَة أَنَّهُ اِرْتَدَّ بَعْد إِسْلَامه , حَكَاهُ عَنْهُ اِبْن هِشَام فِي " زَوَائِد السِّيرَة " وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَزَادَ الْفَاكِهِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ " قَالَتْ عَائِشَة : وَاَللَّه مَا قَالَ أَبُو بَكْر بَيْت شِعْر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا الْإِسْلَام , وَلَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَان شُرْب الْخَمْر فِي الْجَاهِلِيَّة " وَهَذَا يُضَعِّف مَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْ أَبِي الْقَمُوص قَالَ : " شَرِبَ أَبُو بَكْر الْخَمْر قَبْل أَنْ تُحَرَّم وَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَات , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر فَجَاءَ فَقَالَ : نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ غَضَب رَسُول اللَّه , وَاَللَّه لَا تَلِج رُءُوسنَا بَعْد هَذَا أَبَدًا " قَالَ : وَكَانَ أَوَّل مَنْ حَرَّمَهَا , فَلِهَذَا قَدْ عَارَضَهُ قَوْل عَائِشَة , وَهِيَ أَعْلَم بِشَأْنِ أَبِيهَا مِنْ غَيْرهَا. وَأَبُو الْقَمُوص لَمْ يُدْرِك أَبَا بَكْر , فَالْعُهْدَة عَلَى الْوَاسِطَة , فَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ الرَّوَافِض , وَدَلَّ حَدِيث عَائِشَة عَلَى أَنَّ لِنِسْبَةِ أَبِي بَكْر إِلَى ذَلِكَ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ غَيْر ثَابِت عَنْهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( رَثَى كُفَّار قُرَيْش ) يَعْنِي يَوْم بَدْر لَمَّا قُتِلُوا وَأَلْقَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَلِيب , وَهِيَ الْبِئْر الَّتِي لَمْ تُطْوَ. قَوْله : ( مِنْ الشِّيزَى ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا زَاي مَقْصُور , وَهُوَ شَجَر يُتَّخَذ مِنْهُ الْجِفَان وَالْقِصَاع الْخَشَب الَّتِي يُعْمَل فِيهَا الثَّرِيد. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : هِيَ مِنْ شَجَر الْجَوْز تُسَوَّد بِالدَّسَمِ , وَالشِّيزَى جَمْع شِيز وَالشِّيز يَغْلُظ حَتَّى يُنْحَت مِنْهُ , فَأَرَادَ بِالشِّيزَى مَا يُتَّخَذ مِنْهَا وَبِالْجَفْنَةِ صَاحِبهَا كَأَنَّهُ قَالَ : مَاذَا بِالْقَلِيبِ مِنْ أَصْحَاب الْجِفَان الْمَلْأَى بِلُحُومِ أَسْنِمَة الْإِبِل , وَكَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَى الرَّجُل الْمِطْعَام " جَفْنَة " لِكَثْرَةِ إِطْعَامه النَّاس فِيهَا. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : الشِّيزَى الْجِمَال , قَالَ لِأَنَّ الْإِبِل إِذَا سَمِنَتْ تَعْظُم أَسْنِمَتهَا وَيَعْظُم جِمَالهَا. وَغَلَّطَهُ اِبْن التِّين قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجَفْنَة مِنْ الثَّرِيد تُزَيَّن بِالْقَطْعِ اللَّحْم مِنْ السَّنَام. قَوْله : ( الْقَيْنَات ) جَمْع قَيْنَة بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا نُون هِيَ الْمُغَنِّيَة , وَتُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْأَمَة مُطْلَقًا. " وَالشَّرْب " بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء جَمْع شَارِب , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم جَمْع , وَجَزَمَ اِبْن التِّين بِالْأَوَّلِ فَقَالَ : هُوَ كَمَتْجَرٍ وَتَاجِر وَالْمُرَاد بِهِمْ النَّدَامَى. قَوْله : ( تُحَيِّينَا ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " تُحَيِّينِي " بِالْإِفْرَادِ , وَقَوْله : " فَهَلْ " فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " وَهَلْ لِي " بِالْوَاوِ , وَقَوْله : " مِنْ سَلَام " أَيْ مِنْ سَلَامَة , وَفِيهِ قُوَّة لِمَنْ قَالَ : الْمُرَاد مِنْ السَّلَام الدُّعَاء بِالسَّلَامَةِ أَوْ الْإِخْبَار بِهَا. قَوْله : ( أَصْدَاء ) جَمْع صَدًى وَهُوَ ذِكْر الْبُوم , وَهَامَ جَمْع هَامَة وَهُوَ الصَّدَى أَيْضًا وَهُوَ عَطْف تَفْسِيرِيّ , وَقِيلَ الصَّدَى الطَّائِر الَّذِي يَطِير بِاللَّيْلِ , وَالْهَامَة جُمْجُمَة الرَّأْس وَهِيَ الَّتِي يَخْرُج مِنْهَا الصَّدَى بِزَعْمِهِمْ , وَأَرَادَ الشَّاعِر إِنْكَار الْبَعْث بِهَذَا الْكَلَام كَأَنَّهُ يَقُول : إِذَا صَارَ الْإِنْسَان كَهَذَا الطَّائِر كَيْف يَصِير مَرَّة أُخْرَى إِنْسَانًا. وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَزْعُمُونَ أَنَّ رُوح الْقَتِيل الَّذِي لَا يُدْرَك بِثَأْرِهِ تَصِير هَامَة فَتَزْقُو وَتَقُول : اِسْقُونِي اِسْقُونِي , وَإِذَا أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ فَذَهَبَتْ , قَالَ الشَّاعِر : إِنَّك إِلَّا تَذَر شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي أَضْرِبك حَتَّى تَقُول الْهَامَة اِسْقُونِي وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْن هِشَام هَذِهِ الْأَبْيَات فِي " السِّيرَة " بِزِيَادَةِ خَمْسَة أَبْيَات , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن وَهْب , وَعَنْ عَنْبَسَةَ بْن خَالِد أَيْضًا , كِلَاهُمَا عَنْ يُونُس بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور " أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ يَقُول إِنَّ أَبَا بَكْر قَالَ الْقَصِيدَة الْمَذْكُورَة " فَذَكَرَ الْحَدِيث وَالشِّعْر مُطَوَّلًا , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْله وَزَادَ " قَالَتْ عَائِشَة فَنَحَلَهَا النَّاس أَبَا بَكْر الصِّدِّيق مِنْ أَجْل اِمْرَأَته أُمّ بَكْر الَّتِي طَلَّقَ , وَإِنَّمَا قَائِلهَا أَبُو بَكْر بْن شَعُوب ". قُلْت : وَابْن شَعُوب الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ أَبُو سُفْيَان : وَلَوْ شِئْت نَجَّتْنِي كُمَيْت طَمِرَّةٌ وَلَمْ أَحْمِل النَّعْمَاء لِابْنِ شَعُوب وَكَانَ حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر حَمَلَ يَوْم أُحُد عَلَى أَبِي سُفْيَان فَكَادَ أَنْ يَقْتُلهُ , فَحَمَلَ اِبْن شَعُوب عَلَى حَنْظَلَة مِنْ وَرَائِهِ فَقَتَلَهُ , فَنَجَا أَبُو سُفْيَان , فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا مِنْهَا هَذَا الْبَيْت.