💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة رَبِيعَة عَنْهُ , وَهُوَ اِبْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن فَرُّوخ الْفَقِيه الْمَدَنِيّ الْمَعْرُوف بِرَبِيعَة الرَّأْي , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : أَحَدهمَا : مِنْ رِوَايَة خَالِد , وَهُوَ اِبْن يَزِيد الْجُمَحِيّ الْمِصْرِيّ , وَكَانَ مِنْ أَقْرَان اللَّيْث بْن سَعْد لَكِنَّهُ مَاتَ قَبْله , وَقَدْ أَكْثَر عَنْهُ اللَّيْث. قَوْله : ( كَانَ رَبْعَة ) بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة أَيْ مَرْبُوعًا , وَالتَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ النَّفْس , يُقَال رَجُل رَبْعَة وَامْرَأَة رَبْعَة , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور بِقَوْلِهِ : " لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِن وَلَا بِالْقَصِيرِ " وَالْمُرَاد بِالطَّوِيلِ الْبَائِن الْمُفْرِط فِي الطُّول مَعَ اِضْطِرَاب الْقَامَة , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الْبَرَاء بَعْد قَلِيل أَنَّهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعًا " وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الذُّهْلِيِّ فِي " الزُّهْرِيَّات " بِإِسْنَادٍ حَسَن " كَانَ رَبْعَة وَهُوَ إِلَى الطُّول أَقْرَب ". قَوْله : ( أَزْهَر اللَّوْن ) أَيْ أَبْيَض مُشَرَّب بِحُمْرَةِ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَنَس مِنْ وَجْه آخَر عِنْد مُسْلِم , وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور وَالطَّيَالِسِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ : " كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَض مُشَرَّبًا بَيَاضه بِحُمْرَةٍ " وَهُوَ عِنْد اِبْن سَعْد أَيْضًا عَنْ عَلِيّ , وَعَنْ جَابِر , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طُرُق عَنْ عَلِيّ , وَفِي " الشَّمَائِل " مِنْ حَدِيث هِنْد بْن أَبِي هَالَة أَنَّهُ أَزْهَر اللَّوْن. قَوْله : ( لَيْسَ بِأَبْيَض أَمْهَق ) كَذَا فِي الْأُصُول , وَوَقَعَ عِنْد الدَّاوُدِيّ تَبَعًا لِرِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ " أَمْهَق لَيْسَ بِأَبْيَض " وَاعْتَرَضَهُ الدَّاوُدِيُّ , وَقَالَ عِيَاض : إِنَّهُ وَهْم , قَالَ : وَكَذَلِكَ رِوَايَة مَنْ رَوَى أَنَّهُ لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ وَلَا الْآدَم لَيْسَ بِصَوَابٍ , كَذَا قَالَ , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فِي هَذَا الثَّانِي , لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الشَّدِيد الْبَيَاض وَلَا بِالْآدَمِ الشَّدِيد الْأُدْمَة , وَإِنَّمَا يُخَالِط بَيَاضه الْحُمْرَة , وَالْعَرَب قَدْ تُطْلِق عَلَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَسْمَر , وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار وَابْن مَنْدَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَسْمَر " وَقَدْ رَدَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَة بِقَوْلِهِ : فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ رَبِيعَة " وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَق وَلَيْسَ بِالْآدَمِ " وَالْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِل " مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس فَذَكَرَ الصِّفَة النَّبَوِيَّة قَالَ : " كَانَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَض بَيَاضه إِلَى السُّمْرَة " وَفِي حَدِيث يَزِيد الرُّقَاشِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَجُل بَيْن رَجُلَيْنِ جِسْمه وَلَحْمه أَحْمَر " وَفِي لَفْظ " أَسْمَر إِلَى الْبَيَاض " أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَسَنَده حَسَن , وَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنَّ الْمُرَاد بِالسُّمْرَةِ الْحُمْرَة الَّتِي تُخَالِط الْبَيَاض , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْبَيَاضِ الْمُثْبَت مَا يُخَالِطهُ الْحُمْرَة , وَالْمَنْفِيّ مَا لَا يُخَالِطهُ , وَهُوَ الَّذِي تَكْرَه الْعَرَب لَوْنه وَتُسَمِّيه أَمْهَق , وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ " أَمْهَق لَيْسَ بِأَبْيَض " مَقْلُوبَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ , عَلَى أَنَّهُ يُمْكِن تَوْجِيههَا بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْهَقِ الْأَخْضَر اللَّوْن الَّذِي لَيْسَ بَيَاضه فِي الْغَايَة وَلَا سُمْرَته وَلَا حُمْرَته , فَقَدْ نُقِلَ عَنْ رُؤْبَة أَنَّ الْمَهَق خُضْرَة الْمَاء , فَهَذَا التَّوْجِيه يَتِمّ عَلَى تَقْدِير ثُبُوت الرِّوَايَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ إِطْلَاق كَوْنه أَبْيَض , وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل عِنْد مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ " مَا أَنْسَى شِدَّة بَيَاض وَجْهه مَعَ شِدَّة سَوَاد شَعْره " وَكَذَا فِي شِعْر أَبِي طَالِب الْمُتَقَدِّم فِي الِاسْتِسْقَاء " وَأَبْيَض يُسْتَسْقَى الْغَمَام بِوَجْهِهِ " وَفِي حَدِيث سُرَاقَة عِنْد اِبْن إِسْحَاق " فَجَعَلْت أَنْظُر إِلَى سَاقه كَأَنَّهَا جُمَّارَة " وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث مُحَرِّش الْكَعْبِيّ فِي عُمْرَة الْجِعْرَانَة أَنَّهُ قَالَ : " فَنَظَرْت إِلَى ظَهْره كَأَنَّهُ سَبِيكَة فِضَّة " وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَصِف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " كَانَ شَدِيد الْبَيَاض " أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان وَالْبَزَّار بِإِسْنَادٍ قَوِيّ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا بِمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُقَال إِنَّ الْمُشَرَّب مِنْهُ حُمْرَة وَإِلَى السُّمْرَة مَا ضَحَّى مِنْهُ لِلشَّمْسِ وَالرِّيح , وَأَمَّا مَا تَحْت الثِّيَاب فَهُوَ الْأَبْيَض الْأَزْهَر. قُلْت : وَهَذَا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَقِب حَدِيث عَائِشَة فِي صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبْسَط مِنْ هَذَا وَزَادَ " وَلَوْنه الَّذِي لَا يَشُكّ فِيهِ الْأَبْيَض الْأَزْهَر " وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي " زِيَادَات عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي الْمُسْنَد " مِنْ طَرِيق عَلِيّ " أَبْيَض مُشَرَّب شَدِيد الْوَضَح " فَهُوَ مُخَالِف لِحَدِيثِ أَنَس " لَيْسَ بِالْأَمْهَقِ " وَهُوَ أَصَحّ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِحَمْلِ مَا فِي رِوَايَة عَلِيّ عَلَى مَا تَحْت الثِّيَاب مِمَّا لَا يُلَاقِي الشَّمْس , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَط وَلَا سَبِط ) بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْمُوَحَّدَة , وَالْجُعُودَة فِي الشَّعْر أَنْ لَا يَتَكَسَّر وَلَا يَسْتَرْسِل وَالسُّبُوطَة ضِدّه , فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ وَسَط بَيْنهمَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن أَبِي خَيْثَمَةَ " وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَط , وَلَا بِالسَّبِطِ , كَانَ جَعْدًا رَجِلًا " وَقَوْله : رَجِل بِكَسْرِ الْجِيم - وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنهَا - أَيْ مُتَسَرِّح , وَهُوَ مَرْفُوع عَلَى الِاسْتِئْنَاف , أَيْ هُوَ رَجِل. وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِي بِالْخَفْضِ وَهُوَ وَهْم لِأَنَّهُ يَصِير مَعْطُوفًا عَلَى الْمَنْفِيّ , وَقَدْ وُجِّهَ عَلَى أَنَّهُ خَفَضَهُ عَلَى الْمُجَاوَرَة , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْجِيم عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ. قَوْله : ( أُنْزِلَ عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَة مَالِك " بَعَثَهُ اللَّه ". قَوْله : ( وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ ) فِي رِوَايَة مَالِك " عَلَى رَأْس أَرْبَعِينَ " وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمّ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ بُعِثَ فِي الشَّهْر الَّذِي وُلِدَ فِيهِ , وَالْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل وَأَنَّهُ بُعِثَ فِي شَهْر رَمَضَان , فَعَلَى هَذَا يَكُون لَهُ حِين بُعِثَ أَرْبَعُونَ سَنَة وَنِصْف أَوْ تِسْع وَثَلَاثُونَ وَنِصْف , فَمَنْ قَالَ أَرْبَعِينَ أَلْغَى الْكَسْر أَوْ جَبَرَ , لَكِنْ قَالَ الْمَسْعُودِيّ وَابْن عَبْد الْبَرّ : إِنَّهُ بُعِثَ فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل. فَعَلَى هَذَا يَكُون لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَة سَوَاء. وَقَالَ بَعْضهمْ : بُعِثَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَة وَعَشْرَة أَيَّام , وَعِنْد الْجِعَابِيّ أَرْبَعُونَ سَنَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا , وَعَنْ الزُّبَيْر بْن بَكَّار أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْر رَمَضَان وَهُوَ شَاذّ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا وَضُمَّ إِلَى الْمَشْهُور أَنَّ الْمَبْعَث فِي رَمَضَان فَيَصِحّ أَنَّهُ بُعِثَ عِنْد إِكْمَال الْأَرْبَعِينَ أَيْضًا. وَأَبْعَد مِنْهُ قَوْل مَنْ قَالَ : بُعِثَ فِي رَمَضَان وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ سَنَة وَشَهْرَيْنِ , فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْر رَجَب , وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي " تَارِيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْعُتَقِيّ " وَعَزَاهُ لِلْحُسَيْنِ بْن عَلِيّ وَزَادَ " لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَب " وَهُوَ شَاذّ. وَمِنْ الشَّاذّ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : " أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِبْن ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ " وَهُوَ قَوْل الْوَاقِدِيّ , وَتَبِعَهُ الْبِلَاذَرِيّ وَابْن أَبِي عَاصِم , وَفِي " تَارِيخ يَعْقُوب بْن سُفْيَان " وَغَيْره عَنْ مَكْحُول أَنَّهُ بُعِثَ بَعْد ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ. قَوْله : ( فَلَبِثَ بِمَكَّة عَشْر سِنِينَ يَنْزِل عَلَيْهِ ) مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ عَاشَ سِتِّينَ سَنَة , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس " أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ " وَهُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ عَائِشَة الْمَاضِي قَرِيبًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَا بُدّ أَنْ يَكُون الصَّحِيح أَحَدهمَا , وَجَمَعَ غَيْره بِإِلْغَاءِ الْكَسْر , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْمَوْضِع فِي الْوَفَاة آخَر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( وَلَيْسَ فِي رَأْسه وَلِحْيَته عِشْرُونَ شَعْرَة بَيْضَاء ) أَيْ بَلْ دُون ذَلِكَ , وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش " قُلْت لِرَبِيعَة : جَالَسْت أَنَسًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَسَمِعْته يَقُول : شَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرِينَ شَيْبَة هَاهُنَا يَعْنِي الْعَنْفَقَة " وَلِإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَابْن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر " كَانَ شَيْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَة بَيْضَاء فِي مُقَدَّمِهِ " وَقَدْ اِقْتَضَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر أَنَّ شَيْبه كَانَ لَا يَزِيد عَلَى عَشْر شَعَرَات لِإِيرَادِهِ بِصِيغَةِ جَمْع الْقِلَّة , لَكِنْ خُصَّ ذَلِكَ بِعَنْفَقَتِهِ , فَيُحْمَل الزَّائِد عَلَى ذَلِكَ فِي صُدْغَيْهِ كَمَا فِي حَدِيث الْبَرَاء , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فِي أَثْنَاء حَدِيث قَالَ : " وَلَمْ يَبْلُغ مَا فِي لِحْيَته مِنْ الشَّيْب عِشْرِينَ شَعْرَة " قَالَ حُمَيْدٌ : " وَأَوْمَأَ إِلَى عَنْفَقَته سَبْع عَشْرَة " وَقَدْ رَوَى اِبْن سَعْد أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ " مَا كَانَ فِي رَأْس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِحْيَته إِلَّا سَبْع عَشْرَة أَوْ ثَمَانِي عَشْرَة " وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس " لَمْ يَكُنْ فِي لِحْيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرُونَ شَعْرَة بَيْضَاء. قَالَ حُمَيْدٌ : كُنَّ سَبْع عَشْرَة " وَفِي مُسْنَد عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس " مَا عَدَدْت فِي رَأْسه وَلِحْيَته إِلَّا أَرْبَع عَشْرَة شَعْرَة " وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس " إِلَّا سَبْع عَشْرَة أَوْ عِشْرِينَ شَعْرَة " وَرَوَى الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرَك " مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَقِيل عَنْ أَنَس قَالَ : " لَوْ عَدَدْت مَا أَقْبَلَ عَلَيَّ مِنْ شَيْبه فِي رَأْسه وَلِحْيَته مَا كُنْت أَزِيدهُنَّ عَلَى إِحْدَى عَشْرَة شَيْبَة " وَفِي حَدِيث الْهَيْثَم بْن زُهَيْر عِنْد " ثَلَاثُونَ عَدَدًا ". قَوْله : ( قَالَ رَبِيعَة ) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله : ( فَرَأَيْت شَعْرًا مِنْ شَعْره فَإِذَا هُوَ أَحْمَر فَسَأَلْت فَقِيلَ أَحْمَر مِنْ الطِّيب ) لَمْ أَعْرِف الْمَسْئُول الْمُجِيب بِذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ فِي رِوَايَة اِبْن عَقِيل الْمَذْكُورَة مِنْ قَبْل أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز قَالَ لِأَنَسٍ : " هَلْ خَضَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَإِنِّي رَأَيْت شَعْرًا مِنْ شَعْره قَدْ لُوِّنَ , فَقَالَ : إِنَّمَا هَذَا الَّذِي لُوِّنَ مِنْ الطِّيب الَّذِي كَانَ يُطَيَّب بِهِ شَعْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الَّذِي غَيَّرَ لَوْنه " فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَبِيعَة سَأَلَ أَنَسًا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ. وَوَقَعَ فِي " رِجَال مَالِك " لِلدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ فِي " غَرَائِب مَالِك " لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : " لَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَّبَ مَنْ كَانَ عِنْده شَيْء مِنْ شَعْره لِيَكُونَ أَبْقَى لَهَا ". قُلْت : فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اِسْتَقَامَ إِنْكَار أَنَس , وَيَقْبَل مَا أَثْبَتَهُ سِوَاهُ التَّأْوِيل , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.