💡 شرح فتح الباري
حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا " اِشْتَرَى رَجُل مِنْ رَجُل عَقَارًا " لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهمَا وَلَا عَلَى اِسْم أَحَد مِمَّنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , لَكِنْ فِي " الْمُبْتَدَأ لِوَهْبِ بْن مُنَبِّه " أَنَّ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ هُوَ دَاوُدُ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام ; وَفِي " الْمُبْتَدَأ لِإِسْحَاق بْن بِشْر " أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَن ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنْ بَعْض قُضَاته فَاَللَّه أَعْلَم. وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي تَرْجِيح مَا وَقَعَ عِنْد وَهْب لِكَوْنِهِ أَوْرَدَهُ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. قَوْله : ( عَقَارًا ) الْعَقَار فِي اللُّغَة الْمَنْزِل وَالضَّيْعَة وَخَصَّهُ بَعْضهمْ بِالنَّخْلِ , وَيُقَال لِلْمَتَاعِ النَّفِيس الَّذِي لِلْمَنْزِلِ عَقَار أَيْضًا , وَأَمَّا عِيَاض فَقَالَ : الْعَقَار الْأَصْل مِنْ الْمَال , وَقِيلَ الْمَنْزِل وَالضَّيْعَة , وَقِيلَ مَتَاع الْبَيْت فَجَعَلَهُ خِلَافًا. وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنَّهُ مَقُول بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْجَمِيع وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الدَّار , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث وَهْب بْن مُنَبِّه. قَوْله : ( فَوَجَدَ الرَّجُل الَّذِي اِشْتَرَى الْعَقَار فِي عَقَاره جَرَّة فِيهَا ذَهَب , فَقَالَ لَهُ : خُذْ ذَهَبَك فَإِنَّمَا اِشْتَرَيْت مِنْك الْأَرْض وَلَمْ أَبْتَع الذَّهَب ) وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الْعَقْد إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنهمَا عَلَى الْأَرْض خَاصَّة , فَاعْتَقَدَ الْبَائِع دُخُول مَا فِيهَا ضِمْنًا , وَاعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَدْخُل. وَأَمَّا صُورَة الدَّعْوَى بَيْنهمَا فَوَقَعَتْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَة وَأَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَلِفَا فِي صُورَة الْعَقْد الَّتِي وَقَعَتْ , وَالْحُكْم فِي شَرَعْنَا عَلَى هَذَا فِي مِثْل ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الذَّهَب بَاقٍ عَلَى مِلْك الْبَائِع , وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا اِخْتَلَفَا فِي صُورَة الْعَقْد بِأَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي لَمْ يَقَع تَصْرِيح بِبَيْعِ الْأَرْض وَمَا فِيهَا بَلْ يَبِيع الْأَرْض خَاصَّة , وَالْبَائِع يَقُول وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ , وَالْحُكْم فِي هَذِهِ الصُّورَة أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَسْتَرِدَّا الْمَبِيع وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى ظَاهِر اللَّفْظ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ جَرَّة مِنْ ذَهَب , لَكِنْ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن بِشْر أَنَّ الْمُشْتَرِي قَالَ إِنَّهُ اِشْتَرَى دَارًا فَعَمَّرَهَا فَوَجَدَ فِيهَا كَنْزًا , وَأَنَّ الْبَائِع قَالَ لَهُ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى أَخْذه مَا دَفَنْت وَلَا عَلِمْت , وَأَنَّهُمَا قَالَا لِلْقَاضِي : اِبْعَثْ مَنْ يَقْبِضهُ وَتَضَعهُ حَيْثُ رَأَيْت , فَامْتَنَعَ , وَعَلَى هَذَا فَحُكْم هَذَا الْمَال حُكْم الرِّكَاز فِي هَذِهِ الشَّرِيعَة إِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِين الْجَاهِلِيَّة , وَإِلَّا فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِين الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَة , وَإِنْ جُهِلَ فَحُكْمه حُكْم الْمَال الضَّائِع يُوضَع فِي بَيْت الْمَال , وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعهمْ هَذَا التَّفْصِيل فَلِهَذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ. قَوْله : ( وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْض ) أَيْ الَّذِي كَانَتْ لَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بَيَان الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ وَلَفْظه " فَقَالَ الَّذِي بَاعَ الْأَرْض : إِنَّمَا بِعْتُك الْأَرْض " وَوَقَعَ فِي نُسَخ مُسْلِم اِخْتِلَاف , فَالْأَكْثَر رَوَوْهُ بِلَفْظِ " فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْض " وَالْمُرَاد بَاعَ الْأَرْض كَمَا قَالَ أَحْمَد , وَلِبَعْضِهِمْ " فَقَالَ الَّذِي اِشْتَرَى الْأَرْض " وَوَهَّمَهَا الْقُرْطُبِيّ قَالَ : إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ لَفْظ " اِشْتَرَى " مِنْ الْأَضْدَاد كَشَرَى فَلَا وَهْم , وَقَوْله " فَتَحَاكَمَا " ظَاهِره أَنَّهُمَا حَكَّمَاهُ فِي ذَلِكَ , لَكِنْ فِي حَدِيث إِسْحَاق بْن بِشْر التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ حَاكِمًا مَنْصُوبًا لِلنَّاسِ , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ جَوَّزَ لِلْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنْ يُحَكِّمَا بَيْنهمَا رَجُلًا وَيَنْفُذ حُكْمه , وَهِيَ مَسْأَلَة مُخْتَلَف فِيهَا : فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون فِيهِ أَهْلِيَّة الْحُكْم وَأَنْ يَحْكُم بَيْنهمَا بِالْحَقِّ سَوَاء وَافَقَ ذَلِكَ رَأْي قَاضِي الْبَلَد أَمْ لَا وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيّ الْحُدُود , وَشَرْط أَبُو حَنِيفَة أَنْ لَا يُخَالِف ذَلِكَ رَأْي قَاضِي الْبَلَد , وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُر مِنْهُ حُكْم عَلَى أَحَد مِنْهُمَا , وَإِنَّمَا أَصْلَحَ بَيْنهمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حُكْم الْمَال الْمَذْكُور حُكْم الْمَال الضَّائِع , فَرَأَى أَنَّهُمَا أَحَقّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرهمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَرَعهمَا وَحُسْن حَالهمَا وَارْتَجَى مِنْ طِيب نَسْلهمَا وَصَلَاح ذُرِّيَّتهمَا , وَيَرُدّهُ مَا جَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيّ فِي " نَصِيحَة الْمُلُوك " أَنَّهُمَا تَحَاكَمَا إِلَى كِسْرَى , فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اِرْتَفَعَتْ الْمَبَاحِث الْمَاضِيَة الْمُتَعَلِّقَة بِالتَّحْكِيمِ لِأَنَّ الْكَافِر لَا حُجَّة لَهُ فِيمَا يَحْكُم بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " لَقَدْ رَأَيْتنَا يَكْثُر تَمَارِينَا وَمُنَازَعَتنَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّهمَا أَكْثَر أَمَانَة ". قَوْله : ( أَلَكُمَا وَلَد ) ؟ بِفَتْحِ الْوَاو وَاللَّام , وَالْمُرَاد الْجِنْس , لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون لِلرَّجُلَيْنِ جَمِيعًا وَلَد وَاحِد , وَالْمَعْنَى أَلِكُلِّ مِنْكُمَا وَلَد ؟ وَيَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله " أَلَكُمَا وُلْد " بِضَمِّ الْوَاو وَسُكُون اللَّام وَهِيَ صِيغَة جَمْع أَيْ أَوْلَاد , وَيَجُوز كَسْر الْوَاو أَيْضًا فِي ذَلِكَ. قَوْله : ( فَقَالَ أَحَدهمْ لِي غُلَام ) بَيَّنَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن بِشْر أَنَّ الَّذِي قَالَ لِي غُلَام هُوَ الَّذِي اِشْتَرَى الْعَقَار. قَوْله : ( أَنْكِحُوا الْغُلَام الْجَارِيَة وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسهمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ) هَكَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الْجَمْع فِي الْإِنْكَاح وَالْإِنْفَاق وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَة فِي النَّفْسَيْنِ وَفِي التَّصَدُّق , وَكَأَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ كَانَا مَحْجُورَيْنِ وَإِنْكَاحهمَا لَا بُدّ مَعَ وَلِيّهمَا مِنْ غَيْرهمَا كَالشَّاهِدَيْنِ , وَكَذَلِكَ الْإِنْفَاق قَدْ يُحْتَاج فِيهِ إِلَى الْمُعَيَّن كَالْوَكِيلِ , وَأَمَّا تَثْنِيَة النَّفْسَيْنِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى اِخْتِصَاص الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن بِشْر مَا يُشْعِر بِذَلِكَ وَلَفْظه " اِذْهَبَا فَزَوِّجْ اِبْنَتك مِنْ اِبْن هَذَا وَجَهِّزُوهُمَا مِنْ هَذَا الْمَال وَادْفَعَا إِلَيْهِمَا مَا بَقِيَ يَعِيشَانِ بِهِ " وَأَمَّا تَثْنِيَة التَّصْدِيق فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنْ يُبَاشِرَاهَا بِغَيْرِ وَاسِطَة لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَضْل , وَأَيْضًا فَهِيَ تَبَرُّع لَا يَصْدُر مِنْ غَيْر الرَّشِيد وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مِلْك. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم " وَأَنْفِقَا عَلَى أَنْفُسكُمَا " وَالْأَوَّل أَوْجَه وَاللَّهُ أَعْلَمُ.