قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ الأَعْلَى فَوْقَ الأَسْفَلِ يَسْقِي الأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ .
" لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي ".
أخرجه مسلم في التوبة باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه رقم 2751. (قضى) خلقه وأحكمه وأمضاه وفرغ منه. (كتب في كتابه) أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ. (فهو عنده) أي الكتاب. (إن رحمتي غلبت غضبي) أي تعلق رحمتي سابق وغالب تعلق غضبي أو المراد إن رحمتي أكثر من غضبي لأنها وسعت كل شيء. والمراد بالرحمة إرادة الثواب وبالغضب إرادة العقاب أو المراد بهما لازمهما فالمراد بالرحمة الثواب والإحسان وبالغضب الانتقام والعقاب
قَوْلُهُ : ( لَمَّا قَضَى اللَّه الْخَلْق ) أَيْ خَلَقَ الْخَلْق كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) أَوْ الْمُرَاد أَوْجَدَ جِنْسه , وَقَضَى يُطْلَق بِمَعْنَى حَكَمَ وَأَتْقَنَ وَفَرَغَ وَأَمْضَى. قَوْلُهُ : ( كَتَبَ فِي كِتَابه ) أَيْ أَمَرَ الْقَلَم أَنْ يَكْتُب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت قَرِيبًا " فَقَالَ لِلْقَلَمِ اُكْتُبْ " فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِن " وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْكِتَابِ اللَّفْظ الَّذِي قَضَاهُ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ). قَوْلُهُ : ( فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش ) قِيلَ مَعْنَاهُ دُون الْعَرْش , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) , وَالْحَامِل عَلَى هَذَا التَّأْوِيل اِسْتِبْعَاد أَنْ يَكُون شَيْء مِنْ الْمَخْلُوقَات فَوْق الْعَرْش , وَلَا مَحْذُور فِي إِجْرَاء ذَلِكَ عَلَى ظَاهِره لِأَنَّ الْعَرْش خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " فَهُوَ عِنْدَهُ " أَيْ ذِكْره أَوْ عِلْمه فَلَا تَكُون الْعِنْدِيَّة مَكَانِيَّة بَلْ هِيَ إِشَارَة إِلَى كَمَال كَوْنه مَخْفِيًّا عَنْ الْخَلْق مَرْفُوعًا عَنْ حَيِّز إِدْرَاكهمْ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظ " فَوْقَ " زَائِد كَقَوْلِهِ : ( فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ ) وَالْمُرَاد اِثْنَتَانِ فَصَاعِدًا , وَلَمْ يَتَعَقَّبهُ وَهُوَ مُتَعَقَّب , لِأَنَّ مَحَلّ دَعْوَى الزِّيَادَة مَا إِذَا بَقِيَ الْكَلَام مُسْتَقِيمًا مَعَ حَذْفهَا كَمَا فِي الْآيَة , وَأَمَّا فِي الْحَدِيث فَإِنَّهُ يَبْقَى مَعَ الْحَذْف , فَهُوَ عِنْده الْعَرْش وَذَلِكَ غَيْر مُسْتَقِيم. قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَحْمَتِي ) بِفَتْحِ إِنَّ عَلَى أَنَّهَا بَدَل مِنْ كَتَبَ , وَبِكَسْرِهَا عَلَى حِكَايَة مَضْمُون الْكِتَاب قَوْلُهُ : ( غَلَبَتْ ) فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد فِي التَّوْحِيد " سَبَقَتْ " بَدَل غَلَبَتْ , وَالْمُرَاد مِنْ الْغَضَب لَازِمه وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْعَذَاب إِلَى مَنْ يَقَع عَلَيْهِ الْغَضَب , لِأَنَّ السَّبْق وَالْغَلَبَة بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّق , أَيْ تَعَلُّق الرَّحْمَة غَالِب سَابِق عَلَى تَعَلُّق الْغَضَب , لِأَنَّ الرَّحْمَة مُقْتَضَى ذَاته الْمُقَدَّسَة وَأَمَّا الْغَضَب فَإِنَّهُ مُتَوَقِّف عَلَى سَابِقَة عَمَل مِنْ الْعَبْد الْحَادِث , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع اِسْتِشْكَال مَنْ أَوْرَدَ وُقُوع الْعَذَاب قَبْل الرَّحْمَة فِي بَعْض الْمَوَاطِن , كَمَنْ يَدْخُل النَّار مِنْ الْمُوَحِّدِينَ ثُمَّ يَخْرُج بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرهَا. وَقِيلَ مَعْنَى الْغَلَبَة الْكَثْرَة وَالشُّمُول , تَقُول غَلَبَ عَلَى فُلَان الْكَرَم أَيْ أَكْثَر أَفْعَاله , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى أَنَّ الرَّحْمَة وَالْغَضَب مِنْ صِفَات الذَّات , وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الرَّحْمَة وَالْغَضَب مِنْ صِفَات الْفِعْل لَا مِنْ صِفَات الذَّات , وَلَا مَانِع مِنْ تَقَدُّم بَعْض الْأَفْعَال عَلَى بَعْض فَتَكُون الْإِشَارَة بِالرَّحْمَةِ إِلَى إِسْكَان آدَم الْجَنَّة أَوَّل مَا خُلِقَ مَثَلًا وَمُقَابِلهَا مَا وَقَعَ مِنْ إِخْرَاجه مِنْهَا , وَعَلَى ذَلِكَ اِسْتَمَرَّتْ أَحْوَال الْأُمَم بِتَقْدِيمِ الرَّحْمَة فِي خَلْقهمْ بِالتَّوَسُّعِ عَلَيْهِمْ مِنْ الرِّزْق وَغَيْره , ثُمَّ يَقَع بِهِمْ الْعَذَاب عَلَى كُفْرهمْ. وَأَمَّا مَا أَشْكَلَ مِنْ أَمْر مَنْ يُعَذَّب مِنْ الْمُوَحِّدِينَ فَالرَّحْمَة سَابِقَة فِي حَقّهمْ أَيْضًا , وَلَوْلَا وُجُودهَا لَخُلِّدُوا أَبَدًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي سَبْق الرَّحْمَة إِشَارَة إِلَى أَنَّ قِسْط الْخَلْق مِنْهَا أَكْثَر مِنْ قِسْطهمْ مِنْ الْغَضَب وَأَنَّهَا تَنَالهُمْ مِنْ غَيْر اِسْتِحْقَاق وَأَنَّ الْغَضَب لَا يَنَالهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ , فَالرَّحْمَة تَشْمَل الشَّخْص جَنِينًا وَرَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا قَبْل أَنْ يَصْدُر مِنْهُ شَيْء مِنْ الطَّاعَة , وَلَا يَلْحَقهُ الْغَضَب إِلَّا بَعْد أَنْ يَصْدُر عَنْهُ مِنْ الذُّنُوب مَا يَسْتَحِقّ مَعَهُ ذَلِكَ.
قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ الأَعْلَى فَوْقَ الأَسْفَلِ يَسْقِي الأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ .
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي السَّيْلِ الْمَهْزُورِ أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الأَعْلَى عَلَى الأَسْفَلِ .
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ
لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } حَتَّى حَجَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِد…
" اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَىُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلاَةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
