وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ هُمْ مِنْهُمْ
مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالأَبْوَاءِ ـ أَوْ بِوَدَّانَ ـ وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ " هُمْ مِنْهُمْ ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ " لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ".
أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد رقم 1745. (بالأبواء أو بودان) موضعان بين مكة والمدينة. (يبيتون) يغار عليهم في الليل فلا يعرف رجل من امرأة. (فيصاب) بالقتل وغيره. (هم منهم) أي من المشركين فلا حرج في إصابتهم إذا كانوا مختلطين معهم ولا يمكن الوصول إلى قتل الكبار إلا بقتلهم وليس المراد قتلهم بطريق القصد إليهم
قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ " أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه ". قَوْله : ( فَسُئِلَ ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم السَّائِل , ثُمَّ وَجَدْت فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ الصَّعْب قَالَ " سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ أَنَقْتُلُهُمْ مَعَهُمْ ؟ قَالَ نَعَمْ " فَظَهَرَ أَنَّ الرَّاوِي هُوَ السَّائِل. قَوْله : ( عَنْ أَهْل الدَّار ) أَيْ الْمَنْزِل , هَكَذَا فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ مُسْلِم " سُئِلَ عَنْ الذَّرَارِيّ " قَالَ عِيَاض : الْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. وَوَجَّهَ النَّوَوِيّ الثَّانِي وَهُوَ وَاضِح. قَوْله : ( هُمْ مِنْهُمْ ) أَيْ فِي الْحُكْم تِلْكَ الْحَالَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد إِبَاحَة قَتْلهمْ بِطَرِيقِ الْقَصْد إِلَيْهِمْ , بَلْ الْمُرَاد إِذَا لَمْ يُمْكِن الْوُصُول إِلَى الْآبَاء إِلَّا بِوَطْءِ الذُّرِّيَّة فَإِذَا أُصِيبُوا لِاخْتِلَاطِهِمْ بِهِمْ جَازَ قَتْلهمْ. قَوْله : ( وَسَمِعْته يَقُول ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرّ " فَسَمِعْته " بِالْفَاءِ وَالْأَوَّل أَوْضَح , وَقَوْله " لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ " تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشُّرْب , وَقَوْله " وَعَنْ الزُّهْرِيِّ " هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل , وَكَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ يُحَدِّث بِهَذَا الْحَدِيث مَرَّتَيْنِ مَرَّة مُجَرَّدًا هَكَذَا وَمَرَّة يَذْكُر فِيهِ سَمَاعه إِيَّاهُ أَوَّلًا مِنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَذْكُر سَمَاعه إِيَّاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ. وَنُنَبِّه عَلَى نُكْتَة فِي الْمَتْن , وَهِيَ أَنَّ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار قَالَ " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ " وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ قَالَ " هُمْ مِنْهُمْ " وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَهُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَذَكَر الْحَدِيث وَقَالَ " قَالَ عَلِيّ : رَدَّدَهُ سُفْيَان فِي هَذَا الْمَجْلِس مَرَّتَيْنِ ". وَقَوْله فِي سِيَاق هَذَا الْبَاب " عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يُوهِم أَنَّ رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيِّ هَكَذَا بِطَرِيقِ الْإِرْسَال وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْض الشُّرَّاح , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْعَبَّاس بْن يَزِيد حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ " كَانَ عَمْرو يُحَدِّثنَا قَبْل أَنْ يَقْدُم الْمَدِينَة الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّعْب , قَالَ سُفْيَان فَقَدِمَ عَلَيْنَا الزُّهْرِيِّ فَسَمِعْتُهُ يُعِيدهُ وَيُبْدِيه " فَذَكَر الْحَدِيث , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي طَرِيق جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عَلِيّ عَنْ سُفْيَان " وَكَانَ الزُّهْرِيِّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث قَالَ : وَأَخْبَرَنِي اِبْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ عَمّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ إِلَى اِبْن أَبِي الْحَقِيق نَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصَّبِيَّانِ " اِنْتَهَى , وَهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَسْخ حَدِيث الصَّعْب , وَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَجُوز قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان بِحَالِ حَتَّى لَوْ تَتَرَّسَ أَهْل الْحَرْب بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَان أَوْ تَحَصَّنُوا بِحِصْن أَوْ سَفِينَة وَجَعَلُوا مَعَهُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان لَمْ يَجُزْ رَمْيهمْ وَلَا تَحْرِيقهمْ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن حِبَّانَ فِي حَدِيث الصَّعْب زِيَادَة فِي آخِره " ثُمَّ نَهَى عَنْهُمْ يَوْم حُنَيْنٍ " وَهِيَ مُدْرَجَة فِي حَدِيث الصَّعْب , وَذَلِكَ بَيِّن فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِره " قَالَ سُفْيَان قَالَ الزُّهْرِيُّ : ثُمَّ نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان " وَيُؤَيِّد كَوْن النَّهْي فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث رِيَاح بْن الرَّبِيع الْآتِي " فَقَالَ لِأَحَدِهِمْ : اِلْحَقْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ لَا تَقْتُل ذُرِّيَّة وَلَا عَسِيفًا " وَالْعَسِيف بِمُهْمَلَتَيْنِ وَفَاء الْأَجِير وَزْنًا وَمَعْنًى , وَخَالِد أَوَّل مَشَاهِده مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَة الْفَتْح , وَفِي ذَلِكَ الْعَام كَانَتْ غَزْوَة حُنَيْنٍ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الْأَوْسَط " مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ " لَمَّا دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَة فَقَالَ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِل وَنَهَى " فَذَكَر الْحَدِيث , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي " الْمَرَاسِيل " عَنْ عِكْرِمَة " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى اِمْرَأَةً مَقْتُولَة بِالطَّائِفِ فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَ عَنْ قَتْل النِّسَاء , مَنْ صَاحِبهَا ؟ فَقَالَ رَجُل : أَنَا يَا رَسُول اللَّه أَرْدَفْتهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَصْرَعنِي فَتَقْتُلنِي فَقَتَلْتهَا , فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُوَارَى " وَيُحْتَمَل فِي هَذِهِ التَّعَدُّد , وَالَّذِي جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرهمْ الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيِّينَ , وَقَالُوا : إِذَا قَاتَلَتْ الْمَرْأَة جَازَ قَتْلهَا. وَقَالَ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة : لَا يَجُوز الْقَصْد إِلَى قَتْلهَا إِلَّا إِنْ بَاشَرَتْ الْقَتْل وَقَصَدَتْ إِلَيْهِ. قَالَ : وَكَذَلِكَ الصَّبِيّ الْمُرَاهِق. وَيُؤَيِّد قَوْل الْجُمْهُور مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث رِيَاح بْن الرَّبِيع وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاء وَالتَّحْتَانِيَّة التَّمِيمِيّ قَالَ " كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة , فَرَأَى النَّاس مُجْتَمَعِينَ , فَرَأَى اِمْرَأَة مَقْتُولَة فَقَالَ : مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل " فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّهَا لَوْ قَاتَلَتْ لَقُتِلَتْ , وَاتَّفَقَ الْجَمِيع كَمَا نَقَل اِبْن بَطَّال وَغَيْره عَلَى مَنْع الْقَصْد إِلَى قَتْل النِّسَاء وَالْوَلَدَانِ , أَمَّا النِّسَاء فَلِضَعْفِهِنَّ , وَأَمَّا الْوَلَدَان فَلِقُصُورِهِمْ عَنْ فِعْل الْكُفْر , وَلِمَا فِي اِسْتِبْقَائِهِمْ جَمِيعًا مِنْ الِانْتِفَاع بِهِمْ إِمَّا بِالرِّقِّ أَوْ بِالْفِدَاءِ فِيمَنْ يَجُوز أَنْ يُفَادَى بِهِ , وَحَكَى الْحَازِمِيُّ قَوْلًا بِجَوَازِ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان عَلَى ظَاهِر حَدِيث الصَّعْب , وَزَعَمَ أَنَّهُ نَاسِخ لِأَحَادِيث النَّهْي , وَهُوَ غَرِيب , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَتْل الْمَرْأَة الْمُرْتَدَّة فِي كِتَاب الْقِصَاص. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى جَوَاز الْعَمَل بِالْعَامِّ حَتَّى يَرِد الْخَاصّ , لِأَنَّ الصَّحَابَة تَمَسَّكُوا بِالْعُمُومَاتِ الدَّالَّة عَلَى قَتْل أَهْل الشِّرْك , ثُمَّ نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان فَخَصَّ ذَلِكَ الْعُمُوم , وَيُحْتَمَل أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب إِلَى وَقْت الْحَاجَة. وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ الرَّدّ عَلَى مَنْ يَتَخَلَّى عَنْ النِّسَاء وَغَيْرهنَّ مِنْ أَصْنَاف الْأَمْوَال زُهْدًا لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْصُل مِنْهُمْ الضَّرَر فِي الدِّين لَكِنْ يُتَوَقَّف تَجَنُّبهمْ عَلَى حُصُول ذَلِكَ الضَّرَر , فَمَتَى حَصَلَ اِجْتَنَبَتْ وَإِلَّا فَلْيَتَنَاوَلْ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَة.
وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ هُمْ مِنْهُمْ
سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ هُمْ مِنْهُمْ
سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ . فَقَالَ " هُمْ مِنْهُمْ " .
أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " هُمْ مِنْهُمْ " . وَكَانَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - يَقُولُ هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ . قَالَ الزُّهْرِيُّ ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ .
يَا رَسُولَ اللَّهِ نَغْشَى الدَّارَ أَوْ الدِّيَارَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَيْلًا مَعَهُمْ صِبْيَانُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فَنَقْتُلُهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُمْ مِنْهُمْ
