💡 شرح فتح الباري
حَدِيث الْنُعْمَان بْن بَشِير : قَوْله : ( مِثْل الْمُدْهِن ) بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْهَاء بَعْدهَا نُون أَيْ الْمُحَابِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة وَالْمُدْهِن وَالْمُدَاهِن وَاحِد , وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ يُرَائِي وَيُضَيِّع الْحُقُوق وَلَا يُغَيِّر الْمُنْكَر. قَوْله : ( وَالْوَاقِع فِيهَا ) كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَامِر وَهُوَ الشَّعْبِيّ " مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا " وَهُوَ أَصْوَب لِأَنَّ الْمُدْهِن وَالْوَاقِع أَيْ مُرْتَكِبهَا فِي الْحُكْم وَاحِد , وَالْقَائِم مُقَابِله. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الشَّرِكَة " مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا " وَهَذَا يَشْمَل الْفِرَق الثَّلَاث وَهُوَ النَّاهِي عَنْ الْمَعْصِيَة وَالْوَاقِع فِيهَا وَالْمُرَائِي فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا هُنَا " مَثَل الْوَاقِع فِي حُدُود اللَّه تَعَالَى وَالنَّاهِي عَنْهَا " وَهُوَ الْمُطَابِق لِلْمَثَلِ الْمَضْرُوب فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع فِيهِ إِلَّا ذِكْر فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُدَاهِن مُشْتَرِكًا فِي الذَّمّ مَعَ الْوَاقِع صَارَا بِمَنْزِلَةِ فِرْقَة وَاحِدَة , وَبَيَان وُجُود الْفِرَق الثَّلَاث فِي الْمَثَل الْمَضْرُوب أَنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا خَرْق السَّفِينَة بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِع فِي حُدُود اللَّه , ثُمَّ مَنْ عَدَاهُمْ إِمَّا مُنْكِر وَهُوَ الْقَائِم , وَإِمَّا سَاكِت وَهُوَ الْمُدْهِن. وَحَمَلَ اِبْن التِّين قَوْله هُنَا " الْوَاقِع فِيهَا " عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْقَائِم فِيهَا وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَة ) أَيْ قَامَتْ الْقِيَامَة وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي الشَّرِكَة مِنْ مُقَابَلَة الْوَاقِع بِالْقَائِمِ , وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ " مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْمُدْهِن فِيهَا " وَهُوَ مُسْتَقِيم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَالَ فِي الشَّرِكَة " مَثَل الْقَائِم " وَهُنَا " مَثَل الْمُدْهِن " وَهُمَا نَقِيضَانِ , فَإِنَّ الْقَائِم هُوَ الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُدْهِن هُوَ التَّارِك لَهُ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ الْقَائِم نَظَرَ إِلَى جِهَة النَّجَاة , وَحَيْثُ قَالَ الْمُدْهِن نَظَرَ إِلَى جِهَة الْهَلَاك وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّشْبِيه مُسْتَقِيم عَلَى الْحَالَيْنِ. قُلْت : كَيْفَ يَسْتَقِيم هُنَا الِاقْتِصَار عَلَى ذِكْر الْمُدْهِن وَهُوَ التَّارِك لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَعَلَى ذِكْر الْوَاقِع فِي الْحَدّ وَهُوَ الْعَاصِي وَكِلَاهُمَا هَالِك , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الصَّوَاب مَا تَقَدَّمَ. وَالْحَاصِل أَنَّ بَعْض الرُّوَاة ذَكَرَ الْمُدْهِن وَالْقَائِم وَبَعْضهمْ ذَكَرَ الْوَاقِع وَالْقَائِم وَبَعْضهمْ جَمَعَ الثَّلَاثَة , وَأَمَّا الْجَمْع بَيْن الْمُدْهِن وَالْوَاقِع دُون الْقَائِم فَلَا يَسْتَقِيم. قَوْله : ( اِسْتَهَمُوا سَفِينَة ) أَيْ اِقْتَرَعُوهَا , فَأَخَذَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ سَهْمًا أَيْ نَصِيبًا مِنْ السَّفِينَة بِالْقُرْعَةِ بِأَنْ تَكُون مُشْتَرَكَة بَيْنهمْ إِمَّا بِالْإِجَارَةِ وَإِمَّا بِالْمِلْكِ , وَإِنَّمَا تَقَع الْقُرْعَة بَعْد التَّعْدِيل , ثُمَّ يَقَع التَّشَاحّ فِي الْأَنْصِبَة فَتَقَع الْقُرْعَة لِفَصْلِ النِّزَاع كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ اِبْن التِّين : وَإِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ فِي السَّفِينَة وَنَحْوهَا فِيمَا إِذَا نَزَلُوهَا مَعًا , أَمَّا لَوْ سَبَقَ بَعْضهمْ بَعْضًا فَالسَّابِق أَحَقّ بِمَوْضِعِهِ. قُلْت : وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ مُسَبَّلَة مَثَلًا , أَمَّا لَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَة لَهُمْ مَثَلًا فَالْقُرْعَة مَشْرُوعَة إِذَا تَنَازَعُوا وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَتَأَذَّوْا بِهِ ) أَيْ بِالْمَارِّ عَلَيْهِمْ بِالْمَاءِ حَالَة السَّقْي. قَوْله : ( فَأَخَذَ فَأْسًا ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة مَعْرُوف وَيُؤَنَّث. قَوْله : ( يَنْقُر ) بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون النُّون وَضَمّ الْقَاف أَيْ يَحْفِر لِيَخْرِقهَا. قَوْله : ( فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ ) أَيْ مَنَعُوهُ مِنْ الْحَفْر ( أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهمْ ) هُوَ تَفْسِير لِلرِّوَايَةِ الْمَاضِيَة فِي الشَّرِكَة حَيْثُ قَالَ : " نَجَوْا وَنَجَوْا " أَيْ كُلّ مِنْ الْآخِذِينَ وَالْمَأْخُوذِينَ , وَهَكَذَا إِقَامَة الْحُدُود يَحْصُل بِهَا النَّجَاة لِمَنْ أَقَامَهَا وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ , وَإِلَّا هَلَكَ الْعَاصِي بِالْمَعْصِيَةِ وَالسَّاكِت بِالرِّضَا بِهَا. قَالَ الْمُهَلَّب وَغَيْره : فِي هَذَا الْحَدِيث تَعْذِيب الْعَامَّة بِذَنْبِ الْخَاصَّة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ التَّعْذِيب الْمَذْكُور إِذَا وَقَعَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقّهُ فَإِنَّهُ يُكَفِّر مِنْ ذُنُوب مَنْ وَقَعَ بِهِ أَوْ يَرْفَع مِنْ دَرَجَته. وَفِيهِ اِسْتِحْقَاق الْعُقُوبَة بِتَرْكِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ , وَتَبْيِين الْعَالِم الْحُكْم بِضَرْبِ الْمَثَل , وَوُجُوب الصَّبْر عَلَى أَذَى الْجَار إِذَا خَشِيَ وُقُوع مَا هُوَ أَشَدّ ضَرَرًا , وَأَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْل أَنْ يُحْدِث عَلَى صَاحِب الْعُلْو مَا يَضُرّ بِهِ , وَأَنَّهُ إِنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ ضَرَرًا لَزِمَهُ إِصْلَاحه , وَأَنَّ لِصَاحِبِ الْعُلْو مَنْعه مِنْ الضَّرَر. وَفِيهِ جَوَاز قِسْمَة الْعَقَار الْمُتَفَاوِت بِالْقُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُلْو وَسُفْل. ( تَنْبِيه ) : وَقَعَ حَدِيث النُّعْمَان هَذَا فِي بَعْض النُّسَخ مُقَدَّمًا عَلَى حَدِيث أُمّ الْعَلَاء , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَطَائِفَة كَمَا أَوْرَدْته.