مَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ وَجَعٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَوْ النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا
لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ قُلْتُ لاَ. قَالَ هُوَ عَلِيٌّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ ـ رضى الله عنها ـ تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ " هَرِيقُوا عَلَىَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ ". وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ.
(ثقل) اشتد به مرضه. (تحط) يمشي متثاقلا تؤثر رجلاه في الأرض كأنها تخط خطا. (هريقوا) صبوا. (قرب) جمع قربة وهي ما يستقى به الماء. (أوكيتهن) جمع وكاء وهو ما يشد به فم القربة والغرض من أنها لم تحلل أوكيتهن المبالغة في كونها طاهرة. (طفقنا) شرعنا. (قد فعلتن) نفذتن ما أمرت به وما أرغب
قَوْله : ( لَمَّا ثَقُلَ ) أَيْ : فِي الْمَرَض , وَهُوَ بِضَمِّ الْقَاف بِوَزْنِ صَغُرَ قَالَهُ فِي الصِّحَاح , وَفِي الْقَامُوس لِشَيْخِنَا : ثَقِلَ كَفَرِحَ فَهُوَ ثَاقِل وَثَقِيل اِشْتَدَّ مَرَضه , فَلَعَلَّ فِي النُّسْخَة سَقْطًا وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فِي أَنْ يُمَرَّض ) بِفَتْحِ الرَّاء الثَّقِيلَة , أَيْ : يُخْدَم فِي مَرَضه. قَوْله : ( فَأَذِنَّ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون الْمَفْتُوحَة أَيْ : الْأَزْوَاج , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَسْم كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فَعَلَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لَهُنَّ. قَوْله : ( قَالَ عُبَيْد اللَّه ) هُوَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ عَائِشَة , وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور بِغَيْرِ أَدَاة عَطْف. قَوْله : ( وَكَانَتْ ) هُوَ مَعْطُوف أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله ( هَرِيقُوا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْأَصِيلِيِّ " أَهْرِيقُوا " بِزِيَادَةِ الْهَمْزَة , قَالَ اِبْن التِّين هُوَ بِإِسْكَانِ الْهَاء , وَنُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ أَهْرَاقَ يُهْرِيق إهْرِيَاقًا مِثْل أَسْطَاعَ يُسْطِيع اسْطِيَاعًا بِقَطْعِ الْأَلِف وَفَتْحهَا فِي الْمَاضِي وَضَمّ الْيَاء فِي الْمُسْتَقْبَل وَهِيَ لُغَة فِي أَطَاعَ يُطِيع فَجُعِلَتْ السِّين وَالْهَاء عِوَضًا مِنْ ذَهَاب حَرَكَة عَيْن الْفِعْل , وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَاء وَاسْتَشْكَلَهُ , وَيُوَجَّه بِأَنَّ الْهَاء مُبْدَلَة مِنْ الْهَمْزَة لِأَنَّ أَصْل هَرَاقَ أَرَاقَ ثُمَّ اُجْتُلِبَتْ الْهَمْزَة فَتَحْرِيك الْهَاء عَلَى إِبْقَاء الْبَدَل وَالْمُبْدَل مِنْهُ وَلَهُ نَظَائِر , وَذَكَرَ لَهُ الْجَوْهَرِيّ تَوْجِيهًا آخَر وَأَنَّ أَصْله أَأَرِيقُوا فَأُبْدِلَتْ الْهَمْزَة الثَّانِيَة هَاء لِلْخِفَّةِ , وَجَزَمَ ثَعْلَب فِي الْفَصِيح بِأَنَّ أَهَرِيقَهُ بِفَتْحِ الْهَاء وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( مِنْ سَبْع قِرَب ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِه أَنْ يَكُون خَصَّ السَّبْع تَبَرُّكًا بِهَذَا الْعَدَد ; لِأَنَّ لَهُ دُخُولًا فِي كَثِير مِنْ أُمُور الشَّرِيعَة وَأَصْل الْخِلْقَة. وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث " مِنْ آبَار شَتَّى " وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِي لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الصَّحِيح " لَعَلِّي أَسْتَرِيح فَأَعْهَد " أَيْ : أُوصِي. قَوْله : ( وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَب حَفْصَة ) زَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ مِنْ نُحَاس , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الِاغْتِسَال فِيهِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَقَالَ عَطَاء : إِنَّمَا كَرِهَ مِنْ النُّحَاس رِيحه. قَوْله : ( نَصُبّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ ) أَيْ : الْقِرَب السَّبْع. قَوْله : ( حَتَّى طَفِقَ ) يُقَال طَفِقَ يَفْعَل كَذَا إِذَا شَرَعَ فِي فِعْل وَاسْتَمَرَّ فِيهِ. قَوْله : ( ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاس ) زَادَ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ الزُّهْرِيّ " فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ " وَهُوَ فِي بَاب الْوَفَاة فِي آخِر كِتَاب الْمَغَازِي , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة مَبَاحِثه هُنَاكَ , وَعَلَى مَا فِيهِ مِنْ أَحْكَام الْإِمَامَة فِي بَاب حَدّ الْمَرِيض أَنْ يَشْهَد الْجَمَاعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
مَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ وَجَعٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَوْ النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا
مَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا قَطُّ أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ وَقَالَ مَرَّةً دُمُوعُهُ الْحَصَى قُلْنَا يَا أَبَا الْعَبَّاسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ قَالَ سُفْيَانُ يَ…
مَرَضِهِ : " صُبُّوا عَلَيَّ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ سَبْعِ آبَارٍ شَتَّى حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ "، قَالَ : فَأَقْعَدْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ صَبًّا أَوْ شَنَنَّا عَلَيْهِ شَنًّا، الشَّكُّ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق، فَوَجَدَ رَاحَةً، فَخَرَجَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أُحُد…
