💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ عَطَاء ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة تِلْو هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُتَّصِلَة أَنَّ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ عَطَاء وَإِنَّمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ , وَلِيَزِيدَ فِيهِ إِسْنَاد آخَر ذَكَره أَبُو حَاتِم فِي " الْعِلَل " مِنْ طَرِيق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ عَمْرو بْن الْوَلِيد بْن عُبَيْدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : سَأَلْت أَبِي عَنْهُ فَقَالَ : قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ يَزِيد عَنْ عَطَاء , وَيَزِيد لَمْ يَسْمَع مِنْ عَطَاء وَلَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ الْمِصْرِيِّينَ رَوَاهُ عَنْ يَزِيد مُتَابِعًا لِعَبْدِ الْحَمِيد بْن جَعْفَر , فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَهُوَ صَحِيح لِأَنَّ مَحَلّه الصِّدْق. قُلْت : قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْد الْحَمِيد , وَرِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْهُ الْمُوَافَقَة لِرِوَايَةِ غَيْره عَنْ يَزِيد أَرْجَح فَتَكُون رِوَايَة حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل شَاذَّة. قَوْله : ( عَنْ جَابِر ) فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اللَّيْث بِسَنَدِهِ " سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه بِمَكَّة ". قَوْله : ( وَهُوَ بِمَكَّة عَام الْفَتْح ) فِيهِ بَيَان تَارِيخ ذَلِكَ ; وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّحْرِيم وَقَعَ قَبْل ذَلِكَ ثُمَّ أَعَادَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْمَعهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ. قَوْله : ( إِنَّ اللَّه وَرَسُوله حَرَّمَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِ الْفِعْل إِلَى ضَمِير الْوَاحِد وَكَانَ الْأَصْل " حَرَّمَا " فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَدَّبَ فَلَمْ يَجْمَع بَيْنه وَبَيْن اِسْم اللَّه فِي ضَمِير الِاثْنَيْنِ , لِأَنَّهُ مِنْ نَوْع مَا رَدَّ بِهِ عَلَى الْخَطِيب الَّذِي قَالَ " وَمَنْ يَعْصِهِمَا " كَذَا قَالَ , وَلَمْ تَتَّفِق الرُّوَاة فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُقه فِي الصَّحِيح " إِنَّ اللَّه حَرَّمَ " لَيْسَ فِيهِ و " رَسُوله " وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اللَّيْث " إِنَّ اللَّه وَرَسُوله حَرَّمَا " وَقَدْ صَحَّ حَدِيث أَنَس فِي النَّهْي عَنْ أَكْل الْحُمُر الْأَهْلِيَّة " إِنَّ اللَّه وَرَسُوله يَنْهَيَانِكُمْ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث " يَنْهَاكُمْ " وَالتَّحْقِيق جَوَاز الْإِفْرَاد فِي مِثْل هَذَا , وَوَجْهه الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ أَمْر النَّبِيّ نَاشِئٌ عَنْ أَمْر اللَّه , وَهُوَ نَحْو قَوْله : ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) وَالْمُخْتَار فِي هَذَا أَنَّ الْجُمْلَة الْأُولَى حُذِفَتْ لِدَلَالَةِ الثَّانِيَة عَلَيْهَا , وَالتَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهِ : وَاللَّه أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ , وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ , وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِر : نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدك رَاضٍ وَالرَّأْي مُخْتَلِف وَقِيلَ أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ خَبَر عَنْ الِاسْمَيْنِ , لِأَنَّ الرَّسُول تَابِع لِأَمْرِ اللَّه. قَوْله : ( فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّه ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَة الْقَائِل , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد الْآتِيَة " فَقَالَ رَجُل ". قَوْله : ( أَرَأَيْت شُحُوم الْمَيْتَة فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُن وَيُدْهَن بِهَا الْجُلُود وَيَسْتَصْبِح بِهَا النَّاس ) أَيْ فَهَلْ يَحِلّ بَيْعهَا لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَنَافِع فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَة لِصِحَّةِ الْبَيْع. قَوْله : ( فَقَالَ : لَا هُوَ حَرَام ) أَيْ الْبَيْع , هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْض الْعُلَمَاء كَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ اِتَّبَعَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْله " وَهُوَ حَرَام " عَلَى الِانْتِفَاع فَقَالَ : يَحْرُم الِانْتِفَاع بِهَا وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء , فَلَا يُنْتَفَع مِنْ الْمَيْتَة أَصْلًا عِنْدهمْ إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْجِلْد الْمَدْبُوغ , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَتَنَجَّس مِنْ الْأَشْيَاء الطَّاهِرَة فَالْجُمْهُور عَلَى الْجَوَاز , وَقَالَ أَحْمَد وَابْن الْمَاجِشُونِ : لَا يُنْتَفَع بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَاز الِانْتِفَاع بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَتْ لَهُ دَابَّة سَاغَ لَهُ إِطْعَامهَا لِكِلَابِ الصَّيْد فَكَذَلِكَ يَسُوغ دَهْن السَّفِينَة بِشَحْمِ الْمَيْتَة وَلَا فَرْق. قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد ذَلِكَ : قَاتَلَ اللَّه الْيَهُود إِلَخْ ) وَسِيَاقه مُشْعِر بِقُوَّةِ مَا أَوَّلَهُ الْأَكْثَر أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " هُوَ حَرَام " الْبَيْع لَا الِانْتِفَاع , وَرَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا " الْوَيْل لِبَنِي إِسْرَائِيل , إِنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم بَاعُوهَا فَأَكَلُوا ثَمَنهَا , وَكَذَلِكَ ثَمَن الْخَمْر عَلَيْكُمْ حَرَام " وَقَدْ مَضَى فِي " بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخَمْر " حَدِيث تَمِيم الدَّارِيِّ فِي ذَلِكَ. قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو عَاصِم حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد ) هُوَ اِبْن جَعْفَر , وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا أَحْمَد عَنْ أَبِي عَاصِم وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي عَاصِم وَلَمْ يَسْبِق لَفْظه بَلْ قَالَ مِثْل حَدِيث اللَّيْث , وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ أَصْل الْحَدِيث , وَإِلَّا فَفِي سِيَاقه بَعْض مُخَالَفَة , قَالَ أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بْن مَخْلَدٍ عَنْ عَبْد الْحَمِيد اِبْن جَعْفَر أَخْبَرَنِي يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب وَلَفْظه " يَقُول عَام الْفَتْح : إِنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْع الْخَنَازِير وَبَيْع الْمَيْتَة وَبَيْع الْخَمْر وَبَيْع الْأَصْنَام , قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه فَمَا تَرَى فِي بَيْع شُحُوم الْمَيْتَة ؟ فَإِنَّهَا تُدْهَن بِهَا السُّفُن وَالْجُلُود وَيُسْتَصْبَح بِهَا. فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّه يَهُود ". الْحَدِيث فَظَهَرَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ بَيْع الشُّحُوم وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قَرَّرْنَاهُ , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عِنْد الرُّكْن " قَاتَلَ اللَّه الْيَهُود , إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانهَا , وَإِنَّ اللَّه إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْم أَكْل شَيْء حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنه " قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : الْعِلَّة فِي مَنْع بَيْع الْمَيْتَة وَالْخَمْر وَالْخِنْزِير النَّجَاسَة فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلّ نَجَاسَة , وَلَكِنَّ الْمَشْهُور عِنْد مَالِك طَهَارَة الْخِنْزِير. وَالْعِلَّة فِي مَنْع بَيْع الْأَصْنَام عَدَم الْمَنْفَعَة الْمُبَاحَة , فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ إِذَا كُسِرَتْ يُنْتَفَع بِرُضَاضِهَا جَازَ بَيْعهَا عِنْد بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ , وَالْأَكْثَر عَلَى الْمَنْع حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى ظَاهِره , وَالظَّاهِر أَنَّ النَّهْي عَنْ بَيْعهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِير عَنْهَا , وَيَلْتَحِق بِهَا فِي الْحُكْم الصُّلْبَان الَّتِي تُعَظِّمهَا النَّصَارَى وَيَحْرُم نَحْت جَمِيع ذَلِكَ وَصَنْعَته , وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْمَيْتَة وَالْخَمْر وَالْخِنْزِير إِلَّا مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي " بَاب تَحْرِيم الْخَمْر " وَلِذَلِكَ رَخَّصَ بَعْض الْعُلَمَاء فِي الْقَلِيل مِنْ شَعْر الْخِنْزِير لِلْخَرَزِ حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُف وَبَعْض الْمَالِكِيَّة , فَعَلَى هَذَا فَيَجُوز بَيْعه , وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَيْتَة عِنْد بَعْض الْعُلَمَاء مَا لَا تَحِلّهُ الْحَيَاة كَالشَّعْرِ وَالصُّوف وَالْوَبَر فَإِنَّهُ طَاهِر فَيَجُوز بَيْعه وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة , وَزَادَ بَعْضهمْ الْعَظْم وَالسِّنّ وَالْقَرْن وَالظِّلْف , وَقَالَ بِنَجَاسَةِ الشُّعُور الْحَسَن وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَلَكِنَّهَا تَطْهُر عِنْدهمْ بِالْغَسْلِ , وَكَأَنَّهَا مُتَنَجِّسَة عِنْدهمْ بِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ رُطُوبَات الْمَيْتَة لَا نَجِسَة الْعَيْن , وَنَحْوه قَوْل اِبْن الْقَاسِم فِي عَظْم الْفِيل إِنَّهُ يَطْهُر إِذَا سُلِقَ بِالْمَاءِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي " بَاب لَا يُذَاب شَحْم الْمَيْتَة ".