💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( تَتْرُكُونَ الْمَدِينَة ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَاءِ الْخِطَاب , وَالْمُرَاد بِذَلِكَ غَيْر الْمُخَاطَبِينَ , لَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْبَلَد أَوْ مِنْ نَسْل الْمُخَاطَبِينَ أَوْ مِنْ نَوْعهمْ , وَرُوِيَ " يَتْرُكُونَ " بِتَحْتَانِيَّةٍ وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ. قَوْله : ( عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ ) أَيْ عَلَى أَحْسَن حَال كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَيْثُ صَارَتْ مَعْدِن الْخِلَافَة وَمَقْصِد النَّاس وَمَلْجَأَهُمْ , وَحُمِلَتْ إِلَيْهَا خَيْرَات الْأَرْض وَصَارَتْ مِنْ أَعْمَر الْبِلَاد , فَلَمَّا اِنْتَقَلَتْ الْخِلَافَة عَنْهَا إِلَى الشَّام ثُمَّ إِلَى الْعِرَاق وَتَغَلَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَعْرَاب تَعَاوَرَتْهَا الْفِتَن وَخَلَتْ مِنْ أَهْلهَا فَقَصَدَتْهَا عَوَافِي الطَّيْر وَالسِّبَاع. وَالْعَوَافِي جَمْع عَافِيَة وَهِيَ الَّتِي تَطْلُب أَقْوَاتهَا , وَيُقَال لِلذَّكَرِ عَافٍ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : اِجْتَمَعَ فِي الْعَوَافِي شَيْئَانِ أَحَدهمَا أَنَّهَا طَالِبَة لِأَقْوَاتِهَا مِنْ قَوْلك عَفَوْت فُلَانًا أَعْفُوهُ فَأَنَا عَافٍ وَالْجَمْع عُفَاة , أَيْ أَتَيْت أَطْلُب مَعْرُوفه , وَالثَّانِي مِنْ الْعَفَاء وَهُوَ الْمَوْضِع الْخَالِي الَّذِي لَا أَنِيس بِهِ فَإِنَّ الطَّيْر وَالْوَحْش تَقْصِدهُ لِأَمْنِهَا عَلَى نَفْسهَا فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُخْتَار أَنَّ هَذَا التَّرْك يَكُون فِي آخِر الزَّمَان عِنْد قِيَام السَّاعَة , وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة الرَّاعِيَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ " ثُمَّ يُحْشَر رَاعِيَانِ " وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّهُمَا آخِر مَنْ يُحْشَر. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى مَالِك عَنْ اِبْن حَمَاس بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيف عَنْ عَمّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَة عَلَى أَحْسَن مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُل الذِّئْب فَيَعْوِي عَلَى بَعْض سَوَارِي الْمَسْجِد أَوْ عَلَى الْمِنْبَر. قَالُوا : فَلِمَنْ تَكُون ثِمَارهَا ؟ قَالَ : لِلْعَوَافِي الطَّيْر وَالسِّبَاع " أَخْرَجَهُ مَعْن بْن عِيسَى فِي " الْمُوَطَّأ " عَنْ مَالِك وَرَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ الثِّقَات خَارِج الْمُوَطَّإ , وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَد وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع الْأَسْلَمِيّ قَالَ " بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ , ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِج مِنْ بَعْض طُرُق الْمَدِينَة فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَة فَقَالَ : وَيْلَ أُمّهَا قَرْيَة يَوْم يَدَعهَا أَهْلهَا كَأَيْنَع مَا يَكُون. قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَنْ يَأْكُل ثِمَارهَا ؟ قَالَ : عَافِيَة الطَّيْر وَالسِّبَاع ". وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة بِإسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَوْف بْن مَالِك قَالَ " دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِد ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَمَا وَاللَّه لَيَدَعَنَّهَا أَهْلهَا مُذَلَّلَة أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي , أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي ؟ الطَّيْر وَالسِّبَاع ". قُلْت : وَهَذَا لَمْ يَقَع قَطْعًا. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمَدِينَة تُسْكَن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ خَلَتْ فِي بَعْض الْأَوْقَات لِقَصْدِ الرَّاعِيَيْنِ بِغَنَمِهِمَا إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله : ( وَآخِر مَنْ يُحْشَر رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة ) هَذَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون حَدِيثًا آخَر مُسْتَقِلًّا لَا تَعَلُّق لَهُ بِالَّذِي قَبْله , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ تَتِمَّة الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّب الِاخْتِلَاف الَّذِي حَكَيْته عَنْ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ , وَالثَّانِي أَظْهَر كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ. قَوْله : ( يَنْعِقَانِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا قَاف , النَّعِيق زَجْر الْغَنَم , يُقَال نَعَقَ يَنْعِق بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْحهَا نَعِيقًا وَنُعَاقًا وَنَعَقَانًا إِذَا صَاحَ بِالْغَنَمِ , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : مَعْنَاهُ يَطْلُب الْكَلَأ , وَكَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الزَّجْر لِأَنَّهُ يَزْجُرهَا عَنْ الْمَرْعَى الْوَبِيل إِلَى الْمَرْعَى الْوَسِيم. قَوْله : ( فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا ) أَوْ يَجِدَانِهَا ذَات وَحْش , أَوْ يَجِدَانِ أَهْلهَا قَدْ صَارُوا وُحُوشًا , وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْوَاو أَيْ يَجِدَانِهَا خَالِيَة وَفِي رِوَايَة مُسْلِم " فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا " أَيْ خَالِيَة لَيْسَ بِهَا أَحَد , وَالْوَحْش مِنْ الْأَرْض الْخَلَاء , أَوْ كَثْرَة الْوَحْش لَمَّا خَلَتْ مِنْ سُكَّانهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَات وُحُوش , قَالَ : وَقَدْ يَكُون وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوش , وَأَصْل الْوَحْش كُلّ شَيْء تَوَحَّشَ مِنْ الْحَيَوَان وَجَمْعه وُحُوش , وَقَدْ يُعَبَّر بِوَاحِدِهِ عَنْ جَمْعه. وَحُكِيَ عَنْ اِبْن الْمُرَابِط أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَم الرَّاعِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَصِير وُحُوشًا إِمَّا بِأَنْ تَنْقَلِب ذَاتهَا وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّش وَتَنْفِر مِنْهُمَا , وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي يَجِدَانِهَا يَعُود عَلَى الْغَنَم وَالظَّاهِر خِلَافه. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب الْأَوَّل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْقُدْرَة صَالِحَة لِذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث أَنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوههمَا إِذَا وَصَلَا إِلَى ثَنِيَّة الْوَدَاع , وَذَلِكَ قَبْل دُخُولهمَا الْمَدِينَة بِلَا شَكّ , فَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا وَجَدَا التَّوَحُّش الْمَذْكُور قَبْل دُخُول الْمَدِينَة فَيَقْوَى أَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى غَنَمهمَا وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَات قِيَام السَّاعَة. وَيُوَضِّح هَذَا رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة فِي " أَخْبَار الْمَدِينَة " مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ رَجُل مِنْ أَشْجَع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا قَالَ " آخِر مَنْ يُحْشَر رَجُلَانِ رَجُل مِنْ مُزَيْنَة وَآخَر مِنْ جُهَيْنَة , فَيَقُولَانِ : أَيْنَ النَّاس ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَة فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِب , فَيَنْزِل إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوههمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ ". قَوْله " وَآخِر مَنْ يُحْشَر " فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ " ثُمَّ يَخْرُج رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة يُرِيدَانِ الْمَدِينَة " لَمْ يَذْكُر فِي الْحَدِيث حَشْرهمَا , وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُقَدِّمَته , لِأَنَّ الْحَشْر إِنَّمَا يَقَع بَعْد الْمَوْت , فَذِكْر سَبَب مَوْتهمَا وَالْحَشْر يَعْقُبهُ. وَقَوْله عَلَى هَذَا " خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا " أَيْ سَقَطَا مَيِّتَيْنِ , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا أَيْ سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا , وَهُوَ الْمَلَك كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة. وَفِي رِوَايَة لِلْعُقَيْلِيِّ " أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَان " , وَلَهُ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد " أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاس فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى بَنِي فُلَان , فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة , فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا , فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيع فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاع وَالثَّعَالِب " وَهَذَا يُوَضِّح أَحَد الِاحْتِمَالَات الْمُتَقَدِّمَة , وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " آخِر قَرْيَة فِي الْإِسْلَام خَرَابًا الْمَدِينَة " , وَهُوَ يُنَاسِب كَوْن آخِر مَنْ يُحْشَر يَكُون مِنْهَا. ( تَنْبِيه ) : أَنْكَرَ اِبْن عُمَر عَلَى أَبِي هُرَيْرَة تَعْبِيره فِي هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِهِ " خَيْر مَا كَانَتْ " وَقَالَ : إِنَّ الصَّوَاب أَعْمَرَ مَا كَانَتْ , أَخْرَجَ ذَلِكَ عُمَر بْن شَبَّة فِي " أَخْبَار الْمَدِينَة " مِنْ طَرِيق مُسَاحِق بْن عَمْرو أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْد اِبْن عُمَر " فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ لَهُ : لِمَ تَرُدّ عَلَيَّ حَدِيثِي ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْت أَنَا وَأَنْتَ فِي بَيْت حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُج مِنْهَا أَهْلهَا خَيْر مَا كَانَتْ. فَقَالَ اِبْن عُمَر : أَجَل وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ خَيْر مَا كَانَتْ , إِنَّمَا قَالَ أَعْمَرَ مَا كَانَتْ , وَلَوْ قَالَ خَيْر مَا كَانَتْ لَكَانَ ذَلِكَ وَهُوَ حَيّ وَأَصْحَابه , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : صَدَقْت وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ". وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ يُخْرِج أَهْل الْمَدِينَة مِنْ الْمَدِينَة , وَلِعُمَر بْن شَبَّة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " قِيلَ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَنْ يُخْرِجهُمْ ؟ قَالَ أُمَرَاء السُّوء ".