💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه ) هُوَ اِبْن مُحَمَّد الْجُعْفِيُّ الْمُسْنَدِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيْرهَا " حَدَّثَنَا صَالِح ". قَوْله : ( بِالْقَاحَةِ ) بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة : وَادٍ عَلَى نَحْو مِيل مِنْ السُّقْيَا إِلَى جِهَة الْمَدِينَة , وَيُقَال لِوَادِيهَا وَادِي الْعَبَادِيد. وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّف فِي الطَّرِيق الْأُولَى أَنَّهَا مِنْ الْمَدِينَة عَلَى ثَلَاث أَيْ ثَلَاث مَرَاحِل , قَالَ عِيَاض : رَوَاهُ النَّاس بِالْقَافِ إِلَّا الْقَابِسِيّ فَضَبَطُوهُ عَنْهُ بِالْفَاءِ , وَهُوَ تَصْحِيف. قُلْت : وَوَقَعَ عِنْد الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر عَنْ سُفْيَان " بِالصِّفَاحِ " بَدَل الْقَاحَة , وَالصِّفَاح بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا فَاءَ وَآخِره مُهْمَلَة وَهُوَ تَصْحِيف فَإِنَّ الصِّفَاح مَوْضِع بِالرَّوْحَاءِ , وَبَيْن الرَّوْحَاء وَبَيْن السُّقْيَا مَسَافَة طَوِيلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّوْحَاء هُوَ الْمَكَان الَّذِي ذَهَبَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَصْحَابه مِنْهُ إِلَى جِهَة الْبَحْر ثُمَّ اِلْتَقَوْا بِالْقَاحَةِ وَبِهَا وَقَعَ لَهُ الصَّيْد الْمَذْكُور , وَكَأَنَّهُ تَأَخَّرَ هُوَ وَرُفْقَته لِلرَّاحَةِ أَوْ غَيْرهَا وَتَقَدَّمَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السُّقْيَا حَتَّى لَحِقُوهُ. قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , هَكَذَا حَوَّلَ الْمُصَنِّف الْإِسْنَاد إِلَى رِوَايَة عَلِيّ لِلتَّصْرِيحِ فِيهِ عَنْ سُفْيَان بِقَوْلِهِ " حَدَّثَنَا صَالِح بْن كَيْسَانَ " وَقَدْ اِعْتَبَرْته فَوَجَدْته سَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظ عَلِيٍّ خَاصَّة , وَهَذِهِ عَادَة الْمُصَنِّف غَالِبًا إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى إِسْنَاد سَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظ الثَّانِي. قَوْله : ( عَنْ أَبِي مُحَمَّد ) هُوَ نَافِع مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو النَّضْر , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الصَّيْد مِنْ طَرِيق مَالِك وَغَيْره عَنْهُ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ صَالِح " سَمِعْت أَبَا مُحَمَّد مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ " , وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعْد بْن إِبْرَاهِيم " سَمِعْت رَجُلًا كَانَ يُقَال لَهُ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ وَلَمْ يَكُنْ مَوْلًى " أَيْ لِأَبِي قَتَادَةَ. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى بَنِي غِفَار , فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلًى لِأَبِي قَتَادَةَ حَقِيقَة , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن حِبَّانَ فَقَالَ : هُوَ مَوْلَى عَقِيلَة بِنْت طَلْق الْغِفَارِيَّة , وَكَانَ يُقَال لَهُ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ نُسِبَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ. قُلْت : فَيُحْتَمَل أَنَّهُ نُسِبَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ زَوْج مَوْلَاته , أَوْ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ أَوْ نَحْو ذَلِكَ , كَمَا وَقَعَ لِمِقْسَم مَوْلَى اِبْن عَبَّاس وَغَيْره , وَاللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( يَتَرَاءَوْنَ ) يَتَفَاعَلُونَ مِنْ الرُّؤْيَة. قَوْله : ( فَإِذَا حِمَار وَحْش يَعْنِي وَقَعَ سَوْطه فَقَالُوا لَا نُعِينك ) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيّ , فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ بِلَفْظِ " فَإِذَا حِمَار وَحْش , فَرَكِبَ فَرَسِي وَأَخَذْت الرُّمْح وَالسَّوْط , فَسَقَطَ مِنِّي السَّوْط فَقُلْت : نَاوِلُونِي , فَقَالُوا : لَيْسَ نُعِينك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ , إِنَّا مُحْرِمُونَ " وَفِي قَوْلهمْ إِنَّا مُحْرِمُونَ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْمُحْرِم الْإِعَانَة عَلَى قَتْل الصَّيْد. قَوْله : ( فَتَنَاوَلْته ) زَادَ أَبُو عَوَانَة " بِشَيْءٍ " وَبِهَذَا يَنْدَفِع إِشْكَال مَنْ قَالَ ذِكْر التَّنَاوُل بَعْد الْأَخْذ تَكْرَار , أَوْ مَعْنَاهُ تَكَلَّفْت الْأَخْذ فَأَخَذْته. قَوْله : ( مِنْ وَرَاء أَكَمَة ) بِفَتَحَاتٍ هِيَ التَّلّ مِنْ حَجَر وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي الِاسْتِسْقَاء. قَوْله : ( فَقَالَ بَعْضهمْ كُلُوا ) قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِدَّة أَوْجُه أَنَّهُمْ أَكَلُوا , وَالظَّاهِر أَنَّهُمْ أَكَلُوا أَوَّل مَا أَتَاهُمْ بِهِ , ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِمْ الشَّكّ كَمَا فِي لَفْظ عُثْمَان بْن مُوهِب فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه " فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمهَا ثُمَّ قُلْنَا : أَنَأْكُلُ مِنْ لَحْم صَيْد وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ " وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي حَازِم فِي الْهِبَة بِلَفْظِ " ثُمَّ جِئْت بِهِ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَ , ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُم " وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد " فَجَعَلُوا يَشْوُونَ مِنْهُ ثُمَّ قَالُوا : رَسُول اللَّه بَيْن أَظْهُرنَا , وَكَانَ تَقَدَّمَهُمْ فَلَحِقُوهُ فَسَأَلُوهُ ". قَوْله : ( وَهُوَ أَمَامنَا ) بِفَتْحِ أَوَّله. قَوْله : ( فَقَالَ كُلُوهُ حَلَال ) كَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأ , وَبَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو عَوَانَة فَقَالَ " كُلُوهُ فَهُوَ حَلَال " وَفِي رِوَايَة مُسْلِم فَقَالَ " هُوَ حَلَال فَكُلُوهُ ". قَوْله : ( قَالَ لَنَا عَمْرو ) أَيْ اِبْن دِينَار , وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو عَوَانَة فِي رِوَايَته , وَالْقَائِل سُفْيَان , وَالْغَرَض بِذَلِكَ تَأْكِيد ضَبْطه لَهُ وَسَمَاعه لَهُ مِنْ صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَقَوْله " هَاهُنَا " يَعْنِي مَكَّة. وَالْحَاصِل أَنَّ صَالِح بْنَ كَيْسَانَ كَانَ مَدَنِيًّا فَقَدِمَ مَكَّة فَدَلَّ عَمْرو بْن دِينَار أَصْحَابه عَلَيْهِ لِيَسْمَعُوا مِنْهُ. وَقَرَأْت بِخَطِّ بَعْض مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث مَا نَصّه : فِي قَوْل سُفْيَان " قَالَ لَنَا عَمْرو إِلَخْ " إِشْكَال , فَإِنَّ سُفْيَان رَوَى ذَلِكَ عَنْ صَالِح فَكَيْف يَقُول لَهُ عَمْرو وَلِمَنْ مَعَهُ اِذْهَبُوا إِلَى صَالِح ؟ فَيُحْتَمَل أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا فِي تَجْدِيد سَمَاع سُفْيَان ذَلِكَ مِنْهُ مَرَّة بَعْد أُخْرَى , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ سُفْيَان حَدَّثَ بِذَلِكَ عَنْ صَالِح فِي حَال حَيَاته. اِنْتَهَى. وَهُوَ اِحْتِمَال بَعِيد جِدًّا. وَزَعَمَ أَنَّ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ حِين قَدِمَ عَلَيْهِمْ الْكُوفَة. قَالَ : وَكَأَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَان يُحَدِّث بِهِ عَنْ صَالِح فَصَدَّقَهُ وَأَكَّدَهُ بِمَا قَالَ. وَقَوْله اِذْهَبُوا إِلَيْهِ أَيْ إِلَى صَالِح بِالْمَدِينَةِ ا ه. وَهَذَا أَبْعَد مِنْ الْأَوَّل , وَمَا سَمِعَهُ سُفْيَان مِنْ صَالِح إِلَّا بِمَكَّة , وَلَمْ يَقْدَم عَمْرو الْكُوفَة وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِسُفْيَان وَهُمَا بِمَكَّة , وَمَا حَدَّثَ بِهِ سُفْيَان لِعَلِيٍّ إِلَّا بَعْد مَوْت صَالِح وَعَمْرو بِمُدَّةٍ طَوِيلَة , وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ قَالَ لَنَا عَمْرو اِذْهَبُوا إِلَخْ كَيْفِيَّة تَحَمُّله لَهُ مِنْ صَالِح وَأَنَّهُ بِدَلَالَةِ عَمْرو , وَاللَّه أَعْلَم.