💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَصْبَهَانِيّ ) هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه , مَرَّ فِي الْجَنَائِز وَأَنَّهُ كُوفِيّ ثِقَة. وَلِشُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن عُمَر عَنْهُ عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب. قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل ) فِي رِوَايَة أَحْمَد " سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل " أَخْرَجَهُ عَنْ عَفَّان. وَعَنْ بَهْز فَرَّقَهُمَا عَنْ شُعْبَة حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْقَاف هُوَ اِبْن مُقَرِّن بِالْقَافِ وَزْن مُحَمَّد لَكِنْ بِكَسْرِ الرَّاء , لِأَبِيهِ صُحْبَة وَهُوَ مِنْ ثِقَات التَّابِعِينَ بِالْكُوفَةِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم , مَاتَ سَنَة ثَمَان وَثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَة , يَلْتَبِس بِعَبْدِ اللَّه بْن مُغَفَّل بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَزْن مُحَمَّد وَيَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُزَنِيّ , لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ الرَّاوِي عَنْ كَعْب تَابِعِيّ وَالْآخَر صَحَابِيّ , وَفِي التَّابِعِينَ مَنْ اِتَّفَقَ مَعَ الرَّاوِي عَنْ كَعْب فِي اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ ثَلَاثَة : أَحَدهمْ يَرْوِي عَنْ عَائِشَة وَهُوَ مُحَارِبِيّ , وَالْآخَر يَرْوِي عَنْ أَنَس فِي الْمَسْح عَلَى الْعِمَامَة وَحَدِيثه عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَالثَّالِث أَصْغَر مِنْهُمَا أَخْرَجَ لَهُ اِبْن مَاجَهْ قَوْله : ( جَلَسْت إِلَى كَعْب بْن عُجْرَة ) زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة وَهُوَ فِي الْمَسْجِد , وَلِأَحْمَد عَنْ بَهْز " قَعَدْت إِلَى كَعْب بْن عُجْرَة فِي هَذَا الْمَسْجِد " وَزَادَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَرْم عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ " يَعْنِي مَسْجِد الْكُوفَة ". وَفِيهِ الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد وَمُذَاكَرَة الْعِلْم وَالِاعْتِنَاء بِسَبَبِ النُّزُول لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَة الْحُكْم وَتَفْسِير الْقُرْآن. قَوْله : ( مَا كُنْت أُرَى الْوَجَع بَلَغَ بِك مَا أَرَى ) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ " يَبْلُغ بِك " وَأُرَى الْأُولَى بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّ , وَأَرَى الثَّانِيَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ الرُّؤْيَة , وَكَذَا فِي قَوْله " أَوْ مَا كُنْت أُرَى الْجَهْد بَلَغَ بِك " وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ الْوَجَع أَوْ الْجَهْد , وَالْجَهْد : بِالْفَتْحِ الْمَشَقَّة , قَالَ النَّوَوِيّ وَالضَّمّ لُغَة فِي الْمَشَقَّة أَيْضًا , وَكَذَا حَكَاهُ عِيَاض عَنْ اِبْن دُرَيْد , وَقَالَ صَاحِب الْعَيْن : بِالضَّمِّ الطَّاقَة وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّة , فَيَتَعَيَّن الْفَتْح هُنَا بِخِلَافِ لَفْظ الْجَهْد الْمَاضِي فِي حَدِيث بَدْء الْوَحْي حَيْثُ قَالَ " حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد " فَإِنَّهُ مُحْتَمِل لِلْمَعْنَيَيْنِ. قَوْله : ( فَقُلْت لَا ) زَادَ مُسْلِم وَأَحْمَد " فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) قَالَ : صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام " الْحَدِيث. قَوْله : ( لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع ) كَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ وَلِلطَّبَرَانِيّ عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ عَنْ أَبِي الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ " لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع تَمْر " وَلِأَحْمَد عَنْ بَهْز عَنْ شُعْبَة " نِصْف صَاع طَعَام " وَلِبِشْر بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة " نِصْف صَاع حِنْطَة " وَرِوَايَة الْحَكَم عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى تَقْتَضِي أَنَّهُ نِصْف صَاع مِنْ زَبِيب فَإِنَّهُ قَالَ " يُطْعِم فَرَقًا مِنْ زَبِيب بَيْن سِتَّة مَسَاكِين ". قَالَ اِبْن حَزْم : لَا بُدّ مِنْ تَرْجِيح إِحْدَى هَذِهِ الرِّوَايَات لِأَنَّهَا قِصَّة وَاحِدَة فِي مَقَام وَاحِد فِي حَقّ رَجُل وَاحِد. قُلْت : الْمَحْفُوظ عَنْ شُعْبَة أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيث " نِصْف صَاع مِنْ طَعَام " وَالِاخْتِلَاف عَلَيْهِ فِي كَوْنه تَمْرًا أَوْ حِنْطَة لَعَلَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَأَمَّا الزَّبِيب فَلَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي رِوَايَة الْحَكَم , وَقَدْ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادهَا اِبْن إِسْحَاق , وَهُوَ حُجَّة فِي الْمَغَازِي لَا فِي الْأَحْكَام إِذَا خَالَفَ , وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة التَّمْر فَقَدْ وَقَعَ الْجَزْم بِهَا عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يُخْتَلَف فِيهِ عَلَى أَبِي قِلَابَةَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ كَعْب , وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن قَرْم عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ , وَمِنْ طَرِيق أَشْعَث وَدَاوُد الشَّعْبِيّ عَنْ كَعْب , وَكَذَا فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَعُرِفَ بِذَلِكَ قُوَّة قَوْل مَنْ قَالَ لَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن التَّمْر وَالْحِنْطَة وَأَنَّ الْوَاجِب ثَلَاثَة آصُعٍ لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع , وَلِمُسْلِمٍ عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح وَغَيْره عَنْ مُجَاهِد فِي هَذَا الْحَدِيث " وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْن سِتَّة مَسَاكِين " وَالْفَرَق ثَلَاثَة آصُعٍ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن آدَم عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِيهِ " قَالَ سُفْيَان : وَالْفَرَق ثَلَاثَة آصُعٍ " فَأَشْعَرَ بِأَنَّ تَفْسِير الْفَرَق مُدْرَج , لَكِنَّهُ مُقْتَضَى الرِّوَايَات الْأُخَر , فَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَرْم عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ عِنْد أَحْمَد " لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع ". وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن جَعْدَة عِنْد أَحْمَد أَيْضًا " أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ ". وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ " أَوْ يُطْعِم سِتَّة مَسَاكِين لِكُلِّ مِسْكِين صَاع " فَهُوَ تَحْرِيف مِمَّنْ دُون مُسْلِم , وَالصَّوَاب مَا فِي النُّسَخ الصَّحِيحَة " لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ " بِالتَّثْنِيَةِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ عَلَى الصَّوَاب.