💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر حِين خَرَجَ إِلَى مَكَّة مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَة ) هَذَا السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّهُ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ وَاسِطَة , لَكِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ الَّتِي بَعْده تَقْتَضِي أَنَّ نَافِعًا حَمَلَ ذَلِكَ عَنْ سَالِم وَعُبَيْد اللَّه اِبْنَيْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِمَا حَيْثُ قَالَ فِيهَا : عَنْ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَذَكَر الْقِصَّة وَالْحَدِيث , هَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد اِبْن أَسْمَاء , وَوَافَقَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبُو يَعْلَى كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد اللَّه , أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا , وَتَابَعَهُمْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. لَكِنْ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع أَنَّ بَعْض بَنِي عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ لَهُ , فَذَكَر الْحَدِيث. وَظَاهِره أَنَّهُ لِنَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَقَدْ عَقَّبَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة عَبْد اللَّه بِرِوَايَةِ مُوسَى لِيُنَبِّه عَلَى الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ , وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَة مُوسَى هُنَا عَلَى الْإِسْنَاد , وَسَاقَهُ فِي الْمَغَازِي بِتَمَامِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى الّقَطَّانُ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع كَذَلِكَ وَلَفْظه " أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه كَلَّمَا عَبْد اللَّه , فَذَكَر الْحَدِيث " أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى مُخْتَصَرًا قَالَ فِيهِ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ أَهَلَّ فَذَكَر بَعْض الْحَدِيث. وَفِي قَوْله عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَة بَيْن نَافِع وَابْن عُمَر فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِر سِيَاق مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ طَرِيق عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ نَافِع مِثْل سِيَاق يَحْيَى عَنْ عُبَيْد اللَّه سَوَاء , وَأَخْرَجَهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق فُلَيْح وَفِيمَا مَضَى مِنْ الْحَجّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب وَاللَّيْث كُلّهمْ عَنْ نَافِع , وَأَعْرَضَ مُسْلِم عَنْ تَخْرِيج طَرِيق جُوَيْرِيَةَ وَوَافَقَ عَلَى طَرِيق تَخْرِيج اللَّيْث وَأَيُّوب عَنْ عُبَيْد اللَّه اِبْن عُمَر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن مُوسَى وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة كُلّهمْ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ وَاسِطَة. وَالَّذِي يَتَرَجَّح فِي نَقْدِي أَنَّ اِبْنَيْ عَبْد اللَّه أَخْبَرَا نَافِعًا بِمَا كَلَّمَا بِهِ أَبَاهُمَا وَأَشَارَا عَلَيْهِ بِهِ مِنْ التَّأْخِير ذَلِكَ الْعَام , وَأَمَّا بَقِيَّة الْقِصَّة فَشَاهَدَهَا نَافِع وَسَمِعَهَا مِنْ اِبْن عُمَر لِمُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ , فَالْمَقْصُود مِنْ الْحَدِيث مَوْصُول , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون نَافِع لَمْ يَسْمَع شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ اِبْن عُمَر فَقَدْ عَرَفَ الْوَاسِطَة بَيْنهمَا وَهِيَ وَلَدَا عَبْد اللَّه اِبْن عُمَر سَالِم وَعَبْد اللَّه وَهُمَا ثِقَتَانِ لَا مَطْعَن فِيهِمَا , وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ شُرَّاح الْبُخَارِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ الْمَذْكُورَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ الْمَذْكُورَة عَبْد اللَّه بِالتَّكْبِيرِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ نَافِع , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : عَبْد اللَّه - يَعْنِي مُكَبَّرًا - أَصَحّ. قُلْت : وَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا كَلَّمَ أَبَاهُ فِي ذَلِكَ , وَلَعَلَّ نَافِعًا حَضَرَ كَلَام عَبْد اللَّه الْمُكَبَّر مَعَ أَخِيهِ سَالِم وَلَمْ يَحْضُر كَلَام عُبَيْد اللَّه الْمُصَغَّر مَعَ أَخِيهِ سَالِم أَيْضًا بَلْ أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ فَقَصَّ عَنْ كُلّ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمه. قَوْله : ( مُعْتَمِرًا ) فِي الْمُوَطَّإ مِنْ هَذَا الْوَجْه " خَرَجَ إِلَى مَكَّة يُرِيد الْحَجّ. فَقَالَ : إِنْ صُدِدْت " فَذَكَرَهُ , وَلَا اِخْتِلَاف , فَإِنَّهُ خَرَجَ أَوَّلًا يُرِيد الْحَجّ فَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ أَمْر الْفِتْنَة أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ قَالَ : مَا شَأْنهمَا إِلَّا وَاحِدًا فَأَضَافَ إِلَيْهَا الْحَجّ فَصَارَ قَارِنًا. قَوْله : ( فِي الْفِتْنَة ) بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ فَقَالَ " لَيَالِي نَزَلَ الْجَيْش بِابْنِ الزُّبَيْر " وَقَدْ مَضَى فِي " بَاب طَوَاف الْقَارِن " مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ نَافِع بِلَفْظِ " حِين نَزَلَ الْحَجَّاج بِابْنِ الزُّبَيْر " وَلِمُسْلِمٍ رِوَايَة فِي يَحْيَى الْقَطَّانِ الْمَذْكُورَة " حِين نَزَلَ الْحَجَّاج لِقِتَالِ اِبْن الزُّبَيْر " وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " بَاب مَنْ اِشْتَرَى هَدْيَهُ مِنْ الطَّرِيق " مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع " أَرَادَ اِبْن عُمَر الْحَجّ عَام حَجّ الْحَرُورِيَّة ". وَتَقَدَّمَ طَرِيق الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن رِوَايَة الْبَاب. قَوْله : ( إِنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْت ) هَذَا الْكَلَام قَالَهُ جَوَابًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ لَهُ. إِنَّا نَخَاف أَنْ يُحَال بَيْنك وَبَيْن الْبَيْت , كَمَا أَوْضَحَتْهُ الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. قَوْله : ( كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة " فَقَالَ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة , إِذَنْ أَصْنَع كَمَا صَنَعَ " زَادَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع فِي " بَاب طَوَاف الْقَارِن " " كَمَا صَنَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع فِي " بَاب طَوَاف الْقَارِن ". قَوْله : ( فَأَهَلَّ ) يَعْنِي اِبْن عُمَر , وَالْمُرَاد أَنَّهُ رَفَعَ صَوْته بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَة , زَادَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ " فَقَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَحَالَ كُفَّار قُرَيْش دُونَ الْبَيْت , فَنَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيه وَحَلَقَ رَأْسه ". قَوْله : ( مِنْ أَجْل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَام الْحُدَيْبِيَة ) . قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَرَادَ إِنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْت وَأُحْصِرْت تَحَلَّلْت مِنْ الْعُمْرَة كَمَا تَحَلَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعُمْرَة. وَقَالَ عِيَاض : يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ كَمَا أَهَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُمْرَةٍ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ الْأَمْرَيْنِ أَيْ مِنْ الْإِهْلَال وَالْإِحْلَال وَهُوَ الْأَظْهَر. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ , وَلَيْسَ هُوَ بِمَرْدُودٍ. قَوْله : ( بِعُمْرَةٍ ) زَادَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ " مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة " وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَاضِيَة " فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الدَّار " وَالْمُرَاد بِالدَّارِ الْمَنْزِل الَّذِي نَزَلَهُ بِذِي الْحُلَيْفَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل عَلَى الدَّار الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَيُجْمَع بِأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِل بَيْته , ثُمَّ أَعْلَنَ بِهَا وَأَظْهَرَهَا بَعْدَ أَنْ اِسْتَقَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَة. قَوْله : ( عَام الْحُدَيْبِيَة ) سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَشَرْحه فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف بَعْدَ بَابَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيل - وَهُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس - عَنْ مَالِك فَزَادَ فِيهِ " ثُمَّ إِنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر نَظَرَ فِي أَمْره فَقَالَ : مَا أَمْرهمَا إِلَّا وَاحِد " أَيْ الْحَجّ وَالْعُمْرَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْإِحْصَارِ وَالْإِحْلَال , فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابه فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ سَارَ سَاعَة , وَهُوَ يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل الْمَاضِي فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالدَّارِ الْمَنْزِل الَّذِي نَزَلَهُ بِذِي الْحُلَيْفَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث " أُشْهِدكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت عُمْرَة. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاء قَالَ : مَا شَأْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَّا وَاحِد ". وَلَوْ كَانَ إِيجَابه الْعُمْرَة مِنْ دَاره الَّتِي بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ ظَاهِر الْبَيْدَاء أَكْثَر مِنْ سَاعَة.