💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ الْأَعْرَجِ ) فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُولُ قَالَ قَالَ عُمَر فَذَكَرَهُ , صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي الْإِسْنَادِ وَزَادَ فِيهِ عُمَر , وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَة وَإِنَّمَا جَرَى لِعُمَرَ فِيهِ ذِكْر فَقَطْ. قَوْله : ( أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ " بَعَثَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ سَاعِيًا عَلَى الصَّدَقَةِ " وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا صَدَقَة الْفَرْض , لِأَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا يُبْعَثُ عَلَيْهَا السُّعَاة. وَقَالَ اِبْن الْقَصَّارِ الْمَالِكِيّ : الْأَلْيَقُ أَنَّهَا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهَؤُلَاءِ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ مَنَعُوا الْفَرْض. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ مَا مَنَعُوهُ كُلّهمْ جَحْدًا وَلَا عِنَادًا , أَمَّا اِبْن جَمِيل فَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا ثُمَّ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ , كَذَا حَكَاهُ الْمُهَلَّب , وَجَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْن فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) الْآيَة اِنْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَة , وَأَمَّا خَالِدٌ فَكَانَ مُتَأَوِّلًا بِإِجْزَاءِ مَا حَبَسَهُ عَنْ الزَّكَاةِ , وَكَذَلِكَ الْعَبَّاس لِاعْتِقَادِهِ مَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ , وَلِهَذَا عَذَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدًا وَالْعَبَّاس وَلَمْ يَعْذُرْ اِبْن جَمِيل. قَوْله : ( فَقِيلَ مَنَعَ اِبْن جَمِيل ) قَائِل ذَلِكَ عُمَرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي الْكَلَامِ عَلَى قِصَّةِ الْعَبَّاس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عِنْدَ أَبِي عُبَيْد " فَقَالَ بَعْض مَنْ يَلْمِزُ " أَيْ : يَعِيبُ. وَابْن جَمِيل لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْن الْمَرْوَزِيّ الشَّافِعِيّ وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيّ أَنَّ اِسْمَهُ عَبْد اللَّه , وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ سِرَاج الدِّين بْن الْمُلَقِّنِ أَنَّ اِبْن بَزِيزَةَ سَمَّاهُ حُمَيْدًا , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اِبْن بَزِيزَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْجٍ أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَة بَدَلَ اِبْن جَمِيل , وَهُوَ خَطَأٌ لِإِطْبَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى اِبْن جَمِيل , وَقَوْل الْأَكْثَر أَنَّهُ كَانَ أَنْصَارِيًّا , وَأَمَّا أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَةَ فَهُوَ قُرَشِيّ فَافْتَرَقَا , وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ أَبَا عُبَيْد الْبَكْرِيّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْأَمْثَالِ لَهُ أَنَّهُ أَبُو جَهْم بْن جَمِيل. قَوْله : ( وَالْعَبَّاس ) زَادَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْد " أَنْ يُعْطُوا الصَّدَقَة " قَالَ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَبَّ عَنْ اِثْنَيْنِ الْعَبَّاس وَخَالِد. قَوْله : ( مَا يَنْقِمُ ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ : مَا يُنْكِرُ أَوْ يَكْرَهُ , وَقَوْله " فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُوله " إِنَّمَا ذَكَرَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسه لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِدُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَأَصْبَحَ غَنِيًّا بَعْدَ فَقْرِهِ بِمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ وَأَبَاحَ لِأُمَّتِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ , وَهَذَا السِّيَاق مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمِّ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ إِلَّا مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَغْنَاهُ فَلَا عُذْرَ لَهُ , وَفِيهِ التَّعْرِيضُ بِكُفْرَانِ النِّعَمِ وَتَقْرِيعٌ بِسُوءِ الصَّنِيعِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ. قَوْله : ( اِحْتَبَسَ ) أَيْ : حَبَسَ. قَوْله : ( وَأَعْتُدَهُ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة جَمْعُ عَتَدٍ بِفَتْحَتَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم " أَعْتَادَهُ " وَهُوَ جَمْعُهُ أَيْضًا , قَبِلَ هُوَ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّلَاحِ , وَقِيلَ الْخَيْل خَاصَّة , يُقَالُ فَرَس عَتِيد أَيْ : صُلْب أَوْ مُعَدٌّ لِلرُّكُوبِ أَوْ سَرِيع الْوُثُوبِ أَقْوَال , وَقِيلَ إِنَّ لِبَعْضِ رُوَاة الْبُخَارِيّ " وَأَعْبُدَهُ " بِالْمُوَحَّدَةِ جَمْع عَبْدٍ حَكَاهُ عِيَاض , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُورُ. قَوْله : ( فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَمِثْلُهَا مَعَهَا ) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْب , وَلَمْ يَقُلْ وَرْقَاء وَلَا مُوسَى بْن عُقْبَة " صَدَقَة " فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَكُونُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمُهُ بِتَضْعِيفِ صَدَقَتِهِ لِيَكُونَ أَرْفَع لِقَدْرِهِ وَأَنْبَهَ لِذِكْرِهِ وَأَنْفَى لِلذَّمِّ عَنْهُ , فَالْمَعْنَى فَهُوَ صَدَقَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ سَيَصَّدَّقُ بِهَا وَيُضِيفُ إِلَيْهَا مِثْلَهَا كَرَمًا , وَدَلَّتْ رِوَايَة مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِلْتَزَمَ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ " فَهِيَ عَلَيَّ " وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ " إِنَّ الْعَمَّ صِنْو الْأَب " تَفْضِيلًا لَهُ وَتَشْرِيفًا , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تُحْمَلُ عَنْهُ بِهَا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ , وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ رِوَايَة " عَلَيَّ " وَرِوَايَة " عَلَيْهِ " بِأَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَة " عَلَيَّ " وَرِوَايَة " عَلَيْهِ " مِثْلهَا إِلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَة هَاء السَّكْت حَكَاهُ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ اِبْن نَاصِر , وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ " عَلَيَّ " أَيْ : هِيَ عِنْدِي قَرْض لِأَنَّنِي اِسْتَسْلَفْت مِنْهُ صَدَقَة عَامَيْنِ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْره مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٍّ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَال , وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْن طَلْحَة أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّا كُنَّا اِحْتَجْنَا فَتَعَجَّلْنَا مِنْ الْعَبَّاس صَدَقَة مَالِهِ سَنَتَيْنِ " وَهَذَا مُرْسَل , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مَوْصُولًا بِذِكْرِ طَلْحَة فِيهِ وَإِسْنَادُ الْمُرْسَلِ أَصَحُّ , وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عُمَر سَاعِيًا , فَأَتَى الْعَبَّاس فَأَغْلَظَ لَهُ , فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ الْعَبَّاس قَدْ أَسْلَفَنَا زَكَاة مَالِهِ الْعَامَ , وَالْعَامَ الْمُقْبِلَ " وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْف , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِع نَحْوَ هَذَا وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضًا , وَمِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاس صَدَقَتَهُ سَنَتَيْنِ " وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّد بْن ذَكْوَانَ وَهُوَ ضَعِيف , وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ رَافِعًا لِلْإِشْكَالِ وَلَرَجَحَ بِهِ سِيَاق رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ , وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ قِصَّة التَّعْجِيل إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي وَقْتٍ غَيْر الْوَقْتِ الَّذِي بَعَثَ فِيهِ عُمَرَ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ , وَلَيْسَ ثُبُوت هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي تَعْجِيل صَدَقَة الْعَبَّاس بِبَعِيدٍ فِي النَّظَرِ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ : الْمَعْنَى اِسْتَسْلَفَ مِنْهُ قَدْر صَدَقَة عَامَيْنِ ; فَأَمَرَ أَنْ يُقَاصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَاسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقَعَ لَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْعَبَّاس , وَلَيْسَ بِبَعِيد. وَمَعْنَى " عَلَيْهِ " عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ أَيْ : لَازِمَة " لَهُ " وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْبِضُهَا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ حَرَام لِكَوْنِهِ مَنْ بَنِي هَاشِم , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ رِوَايَةَ الْبَابِ عَلَى ظَاهِرِهَا فَقَالَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِم , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَة بِلَفْظ " فَهِيَ لَهُ " بَدَّلَ " عَلَيْهِ " وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : اللَّامُ هُنَا بِمَعْنَى عَلَى لِتَتَّفِق الرِّوَايَاتُ , وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِد , وَإِلَيْهِ مَالَ اِبْنُ حِبَّانَ. وَقِيلَ : مَعْنَاهَا فَهِيَ لَهُ أَيْ : الْقَدْر الَّذِي كَانَ يُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَهُ لِأَنَّنِي اِلْتَزَمْت عَنْهُ بِإِخْرَاجِهِ , وَقِيلَ إِنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْهُ ذَلِكَ الْعَامَ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَقَة عَامَيْنِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْد , وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ اِسْتَدَانَ حِينَ فَادَى عَقِيلًا وَغَيْرَهُ فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ فَسَاغَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاة بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ كُلّهَا قَوْل مَنْ قَالَ : كَانَ هَذَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ التَّأْدِيب بِالْمَالِ , فَأَلْزَمَ الْعَبَّاس بِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ ضِعْفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِعَظَمَةِ قَدْرِهِ وَجَلَالَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضه فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ , وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ خَالِدٍ عَلَى جَوَاز إِخْرَاج مَالِ الزَّكَاةِ فِي شِرَاءِ السِّلَاحِ وَغَيْره مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْإِعَانَةِ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجَازَ لِخَالِد أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسه بِمَا حَبَسَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ , وَهِيَ طَرِيقَة الْبُخَارِيّ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَة : أَحَدُهَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ أَخْبَار مَنْ أَخْبَرَهُ بِمَنْعِ خَالِد حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ , وَإِنَّمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمُوهُ , وَيَكُونُ قَوْله " تَظْلِمُونَهُ " أَيْ بِنِسْبَتِكُمْ إِيَّاهُ إِلَى الْمَنْعِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ , وَكَيْفَ يَمْنَعُ الْفَرْض وَقَدْ تَطَوَّعَ بِتَحْبِيس سِلَاحه وَخَيْله ؟ ثَانِيهَا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهَا لِلتِّجَارَةِ فَطَالَبُوهُ بِزَكَاة قِيمَتِهَا فَأَعْلَمَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا حَبَسَ , وَهَذَا يَحْتَاجُ لِنَقْلٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْ الْأَمْوَالِ الْمُحَبَّسَةِ , وَلِمَنْ أَوْجَبَهَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ. ثَالِثُهَا أَنَّهُ كَانَ نَوَى بِإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ الزَّكَاة عَنْ مَالِهِ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَصْنَاف سَبِيل اللَّهِ وَهُمْ الْمُجَاهِدُونَ , وَهَذَا يَقُولُهُ مَنْ يُجِيزُ إِخْرَاج الْقِيَم فِي الزَّكَاةِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ يُجِيزُ التَّعْجِيل كَالشَّافِعِيَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْتِدْلَال الْبُخَارِيّ بِهِ عَلَى إِخْرَاجِ الْعُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ. وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ خَالِدٍ عَلَى مَشْرُوعِيَّة تَحْبِيس الْحَيَوَان وَالسِّلَاح , وَأَنَّ الْوَقْفَ يَجُوزُ بَقَاؤُهُ تَحْتَ يَد مُحْتَبِسِهِ , وَعَلَى جَوَاز إِخْرَاج الْعُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ , وَعَلَى صَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ. وَتَعَقَّبَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ جَمِيع ذَلِكَ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ. مُحْتَمِلَةٌ لِمَا ذُكِرَ وَلِغَيْرِهِ , فَلَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ , قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحْبِيس خَالِد إِرْصَادًا وَعَدَم تَصَرُّف , وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ التَّحْبِيسِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ. وَفِي الْحَدِيثِ بَعَثَ الْإِمَامُ الْعُمَّالَ لِجِبَايَةِ الزَّكَاة , وَتَنْبِيهِ الْغَافِلِ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّه بِهِ مِنْ نِعْمَةِ الْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ لِيَقُومَ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ , وَالْعَتَبِ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْوَاجِب , وَجَوَاز ذِكْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ بِذَلِكَ , وَتَحَمَّلَ الْإِمَام عَنْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ , وَالِاعْتِذَار عَنْ بَعْضِ الرَّعِيَّةِ بِمَا يَسُوغُ الِاعْتِذَارُ بِهِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ.