كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ الأَبْطَحَ . قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي رَافِعٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ نُزُولَ الأَبْطَحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا ذَلِكَ وَاجِبًا إِلاَّ مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَنُزُولُ الأَبْطَحِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم .
قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ ) وَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنْ عَائِشَةَ : إِنَّمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَبْطَحَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : فَحَصَلَ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ اِسْتِحْبَابُهُ اِقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ , وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَبِيتَ بِهِ بَعْضَ اللَّيْلِ أَوْ كُلَّهُ اِقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ ) قَالَتْ : نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ , أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ( وَأَبِي رَافِعٍ ) قَالَ لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنْ جِئْت فَضَرَبْت قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ , أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ ( وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّيْخَانِ. قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ : ( وَقَدْ اِسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ نُزُولَ الْأَبْطَحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا ذَلِكَ وَاجِبًا ) وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ , قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ الْحَافِظُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ : التَّحْصِيبُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ , وَقَالَ شَيْخُنَا زَيْنُ الدِّينِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَكَى اِسْتِحْبَابَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ اِسْتِحْبَابَهُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يَسْتَحِبُّهُ فَكَانَتْ أَسْمَاءُ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَا يُحَصِّبَانِ حَكَاهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اِنْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ. وَالِاسْتِحْبَابُ هُوَ الْحَقُّ لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اِسْتِحْبَابِ التَّحْصِيبِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشًا عَلَى الْكُفْرِ " يَعْنِي الْمُحَصَّبَ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَالْخَيْفُ الْوَادِي. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى. " نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا " فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
