💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( عَامَ الْفَتْحِ ) أَيْ فَتْحَ مَكَّةَ ( حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ اِسْمُ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ قَالَهُ الْحَافِظُ ( فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَرَفَعَهُ ( فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ) جَمْعُ الْعَاصِي : وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ مُكَرِّرًا مَرَّتَيْنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ أَوْ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْفِطْرِ أَمْرًا جَازِمًا لِمَصْلَحَةِ بَيَانِ جَوَازِهِ فَخَالَفُوا الْوَاجِبَ , وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَكُونُ الصَّائِمُ الْيَوْمَ فِي السَّفَرِ عَاصِيًا إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ : فَقِيلَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ بِلَفْظِ : لَيْسَ مِنْ أمبر مصيام فِي مسفر , وَهَذِهِ لُغَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ يَحْمِلُونَ لَامَ التَّعْرِيفِ مِيمًا , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَ بِهَا هَذَا الْأَشْعَرِيَّ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لُغَتُهُ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْعَرِيُّ هَذَا نَطَقَ بِهَا عَلَى مَا أَلِفَ مِنْ لُغَتِهِ فَحَمَلَهَا الرَّاوِي عَنْهُ وَأَدَّاهَا بِاللَّفْظِ الَّذِي سَمِعَهَا بِهِ , وَهَذَا الثَّانِي أَوْجَهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ. قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ " مَا هَذَا ؟ " قَالُوا : صَائِمٌ , فَقَالَ : " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ " , تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابٌ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ : " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ " , قَالَ الْحَافِظُ : أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ". مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَشَقَّةِ , وَأَنَّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُجَرَّدًا فَقَدْ اِخْتَصَرَ الْقِصَّةَ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَنْ الْفَرْضِ , بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ " , وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ , وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ , وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ , وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } قَالُوا : ظَاهِرُهُ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ , أَوْ فَالْوَاجِبُ عِدَّةٌ , وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ : فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ , وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ وَالْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ , حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ , وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْفِطْرُ أَفْضَلُ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ , وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ , وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا , وَقَالَ آخَرُونَ : أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ } فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرَ كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ , وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَاخْتَارَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ. وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ لِمَنْ اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَتَضَرَّرَ بِهِ , وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ كَمَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ. قَوْلُهُ : ( فَوَجْهُ هَذَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ قَبُولَ رُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَخْ ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ : لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ إِلَخْ وَقَوْلَهُ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ , مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ وَشَقَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.