💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( مَنْ صَلَّى ) إِمَامًا كَانَ أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ مُنْفَرِدًا ( صَلَاةً ) جَهْرِيَّةً كَانَتْ أَوْ سَرِيَّةً , فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً ( لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ) , أَيْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : أُمُّ الْقُرْآنِ اِسْمُ الْفَاتِحَةِ , وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا فَاتِحَتُهُ كَمَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُهَا ( فَهِيَ خِدَاجٌ ) أَيْ نَاقِصٌ نَقْصَ فَسَادٍ وَبُطْلَانٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْخِدَاجِ فِي بَابِ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ( غَيْرُ تَمَامٍ ) بَيَانُ خِدَاجٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : هُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ نُقْصَانِ صَلَاتِهِ , فَهُوَ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا صَلَاةَ " , أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا نَفْيُ الْكَمَالِ لَا نَفْيُ الصِّحَّةِ , فَبَطَلَ قَوْلُ اِبْنِ حَجَرٍ , وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَبِنَفْيِ لَا صَلَاةَ نَفْيُ صِحَّتِهَا لِأَنَّهَا مَوْضُوعُهُ , ثُمَّ قَالَ : وَدَلِيل ذَلِكَ أَحَادِيثُ لَا تَقْبَلُ تَأْوِيلًا , مِنْهَا خَبَرُ اِبْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صِحَاحِهِمْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " , وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ , وَقَالَ النَّوَوِيُّ : رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ , وَفِيهِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ الْكَامِلِ , اِنْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ. قُلْتُ : حَدِيثُ اِبْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ بِلَفْظِ : " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " , دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِدَاجِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نُقْصَانُ الذَّاتِ , أَعْنِي نُقْصَانَ الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ , وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا صَلَاةَ نَفْيُ الصِّحَّةِ , وَأَمَّا قَوْلُ الْقَارِي إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ الْكَامِلِ فَغَلَطٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدِ الْإِجْزَاءِ إِلَّا الْفَسَادُ وَالْبُطْلَانُ , فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ. وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَحَلِّهَا , وَبَسَطْنَا الْكَلَامَ فِيهَا فِي كِتَابِنَا " أَبْكَارُ الْمِنَنِ فِي نَقْدِ آثَارِ السُّنَنِ" ( إِنِّي أَحْيَانَا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ ) أَيْ فَهَلْ أَقْرَأُ أَمْ لَا ( قَالَ يَا اِبْنَ الْفَارِسِيِّ ) لَعَلَّهُ كَانَ فَارِسِيَّ النَّسْلِ ( فَاقْرَأْهَا فِي نَفْسِك ) أَيْ سِرًّا غَيْرَ جَهْرٍ ( قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ هُنَا الْفَاتِحَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهَا , كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَجُّ عَرَفَةُ " , فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا بِعَيْنِهَا فِي الصَّلَاةِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْمُرَادُ قَسَمْتهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ نِصْفَهَا الْأَوَّلَ تَحْمِيدٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَمْجِيدُهُ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ وَتَفْوِيضٌ إِلَيْهِ , وَالنِّصْفَ الثَّانِيَ سُؤَالٌ وَطَلَبٌ وَتَضَرُّعٌ وَافْتِقَارٌ ( حَمِدَنِي عَبْدِي ) قَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ تَعَالَى : حَمِدَنِي عَبْدِي وَأَثْنَى عَلَيَّ وَمَجَّدَنِي إِنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّ التَّحْمِيدَ الثَّنَاءُ بِجَمِيلِ الْفِعَالِ , وَالتَّمْجِيدَ الثَّنَاءُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ , وَيُقَالُ أَثْنَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ , وَلِهَذَا جَاءَ جَوَابًا لِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِاشْتِمَالِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ ( وَبَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَذَلُّلُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى وَطَلَبُهُ الِاسْتِعَانَةَ مِنْهُ , وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ عَلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ ( وَآخِرُ السُّورَةِ لِعَبْدِي ) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ { اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } إِلَخْ ( وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ) أَيْ غَيْرَ هَذَا ( يَقُولُ { اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ) أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ طَرِيقِ مُتَابَعَةِ الْحَبِيبِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } أَيْ الْيَهُودِ { وَلَا الضَّالِّينَ } أَيْ النَّصَارَى. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ) هُوَ الذُّهْلِيُّ ( وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَارِسِيُّ ) أَبُو يُوسُفَ الْفَسَوِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنْ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( حَدَّثَنَا اِبْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ) اِسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُوَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيُّ أَبُو أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ قَرِيبُ مَالِكٍ وَصِهْرُهُ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنْ السَّابِعَةِ ( وَأَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو السَّائِبِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى اِبْنِ زُهْرَةَ , يُقَالُ اِسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ. قَوْلُهُ : ( وَسَأَلْت أَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ) أَيْ سَأَلْته عَنْ أَنَّ حَدِيثَ مَنْ قَالَ عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ , أَوْ حَدِيثَ مَنْ قَالَ عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( فَقَالَ ) أَيْ أَبُو زُرْعَةَ ( كِلَا الْحَدِيثِينَ صَحِيحٌ ) أَيْ حَدِيثُ مَنْ قَالَ عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَحَدِيثُ مَنْ قَالَ عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ ( وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ اِبْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْعَلَاءِ ) أَيْ اِحْتَجَّ أَبُو زُرْعَةَ عَلَى قَوْلِهِ كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ بِرِوَايَةِ اِبْنِ أَبِي أُوَيْسٍ , فَإِنَّهُ قَالَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي وَأَبُو السَّائِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , فَظَهَرَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَنَّ الْعَلَاءَ أَخَذَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي السَّائِبِ كِلَيْهِمَا.