قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْجِنِّ فَقَالَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ .
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا فَقَالَ " لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِِ : ( فبأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) قَالُوا لاَ بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ " . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَأَنَّ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الَّذِي وَقَعَ بِالشَّامِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يُرْوَى عَنْهُ بِالْعِرَاقِ كَأَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ قَلَبُوا اسْمَهُ يَعْنِي لِمَا يَرْوُونَ عَنْهُ مِنَ الْمَنَاكِيرِ . وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ أَهْلُ الشَّامِ يَرْوُونَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَنَاكِيرَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَرْوُونَ عَنْهُ أَحَادِيثَ مُقَارِبَةً .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدٍ أَبُو مُسْلِمٍ ) الْبَغْدَادِيُّ ( أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ) الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ( عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ) التَّمِيمِيِّ قَوْلُهُ : ( فَسَكَتُوا ) أَيْ الصَّحَابَةُ مُسْتَمِعِينَ ( لَيْلَةَ الْجِنِّ ) أَيْ لَيْلَةَ اِجْتِمَاعِهِمْ بِهِ ( فَكَانُوا ) أَيْ الْجِنُّ ( أَحْسَنَ مَرْدُودًا ) أَيْ أَحْسَنَ رَدًّا وَجَوَابًا لِمَا تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِيُّ الْمُتَكَرِّرُ فِيهَا بِأَيِّ ( مِنْكُمْ ) أَيُّهَا الصَّحَابَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَرْدُودُ بِمَعْنَى الرَّدِّ كَالْمَخْلُوقِ وَالْمَعْقُولِ نَزَلَ سُكُوتُهُمْ وَإِنْصَاتُهُمْ لِلِاسْتِمَاعِ مَنْزِلَةَ حُسْنِ الرَّدِّ فَجَاءَ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ , وَيُوَضِّحُهُ كَلَامُ اِبْنِ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ : نَزَلَ سُكُوتُهُمْ مِنْ حَيْثُ اِعْتِرَافُهُمْ بِأَنَّ فِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَنْ هُوَ مُكَذِّبٌ بِآلَاءِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ فِي الْجِنِّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ نَفْيُهُمْ التَّكْذِيبَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِاللَّفْظِ أَيْضًا أَدَلُّ عَلَى الْإِجَابَةِ وَقَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ سُكُوتِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ ذَكَرَهُ الْقَارِي ( كُنْت ) أَيْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ( كُلَّمَا أَتَيْت عَلَى قَوْلِهِ ) أَيْ عَلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ) الْخِطَابُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَيْ بِأَيِّ نِعْمَةٍ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ تُكَذِّبُونَ وَتَجْحَدُونَ نِعَمَهُ بِتَرْكِ شُكْرِهِ وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ وَعِصْيَانِ أَمْرِهِ ( لَا بِشَيْءٍ ) تَعَلَّقَ بِنُكَذِّبُ الْآتِي ( رَبَّنَا ) بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ ( نُكَذِّبُ ) أَيْ لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ( فَلَك الْحَمْدُ ) أَيْ عَلَى نِعَمِك الظَّاهِرَةِ. وَالْبَاطِنَةِ وَمِنْ أَتَمِّهَا نِعْمَةُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ ( قَلَبُوا اِسْمَهُ ) أَيْ فَجَعَلُوا اِسْمَهُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَالْتَبَسَ بِزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ ( يَعْنِي لِمَا يَرْوُونَ عَنْهُ مِنْ الْمَنَاكِيرِ ) أَيْ إِنَّمَا جَعَلَهُ أَحْمَدُ رَجُلًا آخَرَ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَرْوُونَ عَنْهُ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ. قَالَ فِي التَّقْرِيبِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ أَبُو الْمُنْذِرِ الْخُرَاسَانِيُّ سَكَنَ الشَّامَ ثُمَّ الْحِجَازَ رِوَايَةُ أَهْلِ الشَّامِ , عَنْهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فَضُعِّفَ بِسَبَبِهَا. قَالَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ كَأَنَّ زُهَيْرًا الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ الشَّامِيُّونَ آخَرُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ حَدَّثَ بِالشَّامِ مِنْ حِفْظِهِ فَكَثُرَ غَلَطُهُ مِنْ السَّابِعَةِ ( وَسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ أَهْلُ الشَّامِ يَرْوُونَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَنَاكِيرَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَرْوُونَ عَنْهُ أَحَادِيثَ مُقَارِبَةً ) أَيْ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً. قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ مَا رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الشَّامِ فَإِنَّهُ مَنَاكِيرُ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَصَحِيحٌ. قُلْت : حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَفِي الْحَدِيثِ ضَعْفٌ لَكِنَّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ وَالْبَزَّارُ وَالَّداَرُقْطِنُّ فِي الْأَفْرَادِ وَغَيْرُهُمْ. وَصَحَّحَ السُّيُوطِيُّ إِسْنَادَهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْبَيَانِ.
قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْجِنِّ فَقَالَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ .
لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ .
قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ هَلْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَالَ مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ وَلَكِنَّا قَدْ فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُلْنَا اغْتِيلَ اسْتُطِيرَ مَا فَعَلَ قَالَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ أَوْ قَالَ فِي السَّحَرِ إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ…
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ خَطَّ حَوْلَهُ فَكَانَ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ مِثْلُ سَوَادِ النَّخْلِ وَقَالَ لِي لَا تَبْرَحْ مَكَانَكَ فَأَقْرَأَهُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمَّا رَأَى الزُّطَّ قَالَ كَأَنَّهُمْ هَؤُلَاءِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَعَكَ مَاءٌ قُلْتُ لَا قَالَ أَمَعَكَ نَبِيذٌ قُلْتُ نَعَمْ فَتَوَضَّأَ بِهِ
سَأَلْتُ مَسْرُوقًا مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ. فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُوكَ ـ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ ـ أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
