💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ) الْأَزْدِيُّ الْوَاشِحِيُّ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ الْبَصْرِيُّ الْقَاضِي بِمَكَّةَ ثِقَةٌ , إِمَامٌ حَافِظٌ مِنْ التَّاسِعَةِ. قَوْلُهُ : ( كَانَتْ الْيَهُودُ ) جَمْعُ يَهُودِيٍّ , كَرُومٍ وَرُومِيٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَهُودَ قَبِيلَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهَا يَهُودَا أَخِي يُوسُفَ الصِّدِّيقِ , وَالْيَهُودِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِمْ بِمَعْنَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يَهُودُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ قَبِيلَةٌ , فَامْتَنَعَ صَرْفُهُ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ , ( لَمْ يُؤَاكِلُوهَا ) بِالْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ وَاوًا , ( وَلَمْ يُجَامِعُوهَا ) أَيْ لَمْ يُسَاكِنُوهَا وَلَمْ يُخَالِطُوهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } وَتَتِمَّةُ الْآيَةِ { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ } قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ فِي الْأَزْهَارِ : الْمَحِيضُ الْأَوَّلُ فِي الْآيَةِ هُوَ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ هُوَ أَذًى } وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : الدَّمُ , وَالثَّانِي : زَمَانُ الْحَيْضِ , وَالثَّالِثُ : مَكَانُهُ وَهُوَ الْفَرْجُ , وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ , وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الْأَذَى مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ. قِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ لَوْنًا كَرِيهًا وَرَائِحَةً مُنْتِنَةً وَنَجَاسَةً مُؤْذِيَةً مَانِعَةً عَنْ الْعِبَادَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَغَوِيُّ : التَّنْكِيرُ هُنَا لِلْقِلَّةِ , أَيْ أَذًى يَسِيرٌ لَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَجَاوَزُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ وَحَرَّمَهُ فَتُجْتَنَبُ وَتَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ كَفِعْلِ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ , يَعْنِي الْحَيْضُ أَذًى يَتَأَذَّى مَعَهُ الزَّوْجُ مِنْ مُجَامَعَتِهَا فَقَطْ دُونَ الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُجَالَسَةِ وَالِافْتِرَاشِ , أَيْ فَابْعُدُوا عَنْهُنَّ بِالْمَحِيضِ , أَيْ فِي مَكَانِ الْحَيْضِ وَهُوَ الْفَرْجُ أَوْ حَوْلَهُ مِمَّا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ اِحْتِيَاطًا. اِنْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ ( وَأَنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ ) مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ ( مَا خَلَا النِّكَاحَ ) , أَيْ الْجِمَاعَ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ. وَقِيلَ فِي الْعَقْدِ فَيَكُونُ إِطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ , وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ وَبَيَانٌ لِقَوْلِهِ : { فَاعْتَزِلُوا } فَإِنَّ الِاعْتِزَالَ شَامِلٌ لِلْمُجَانَبَةِ عَنْ الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ , وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ ( مَا يُرِيدُ ) أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ يَدَعَ ) أَيْ يَتْرُكَ ( مِنْ أَمْرِنَا ) أَيْ مِنْ أُمُورِ دِينِنَا ( شَيْئًا ) مِنْ الْأَشْيَاءِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ ( إِلَّا خَالَفَنَا ) بِفَتْحِ الْفَاءِ ( فِيهِ ) إِلَّا حَالَ مُخَالَفَتِهِ إِيَّانَا فِيهِ , يَعْنِي لَا يَتْرُكُ أَمْرًا مِنْ أُمُورِنَا إِلَّا مَقْرُونًا بِالْمُخَالَفَةِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا } ( فَجَاءَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ) مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مِنْ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَبْلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَشَهِدَ بَدْرًا وَاحِدًا , وَالْمُشَاهَدَ كُلَّهَا وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَبَّادُ بْنُ بَشِيرٍ وَهُوَ غَلَطٌ ( وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا أَنْصَارِيٌّ أَوْسِيٌّ أَسْلَمَ قَبْلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ أَيْضًا , وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمُشَاهَدِ , ( أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ ) أَيْ أَفَلَا نُبَاشِرُهُنَّ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ أَيْضًا لِكَيْ تَحْصُلُ الْمُخَالَفَةُ التَّامَّةُ مَعَهُمْ ( فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ تَغَيَّرَ ; لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْمُخَالَفَةِ بِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ تَغَيَّرَ , وَالْأَصْلُ فِي التَّمَعُّرِ قِلَّةُ النَّضَارَةِ وَعَدَمُ إِشْرَاقِ اللَّوْنِ وَمِنْهُ مَكَانٌ مَعِرٌ وَهُوَ الْجَدْبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَصْبٌ اِنْتَهَى. قَالَ مُحَشِّي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ مَا لَفْظُهُ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ , أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ كَمَا هُوَ فِي الْمِشْكَاةِ أَيْضًا مَكَانَ أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ , وَفَسَّرَهُ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي اللُّمَعَاتِ. أَفَلَا تُجَامِعُهُنَّ فِي الْبُيُوتِ , وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِمُرَافَقَتِهِمْ أَوْ خَوْفِ تَرَتُّبِ الضَّرَرِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ , اِنْتَهَى مَجْمُوعُ عِبَارَتِهِمَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ , وَكَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ يَرُدُّ تَوْجِيهَ الشَّارِحِينَ فِي شَرْحَيْ الْمِشْكَاةِ , ثُمَّ رَأَيْت شَرْحَ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ وَشَرْحَ الْمِشْكَاةِ لِلطَّيِّبِيِّ وَحَاشِيَةَ السَّيِّدِ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْهُمْ مُتَصَدِّيًا لِبَيَانِهِ اِنْتَهَى. قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْمُحَشِّي ( حَتَّى ظَنَنَّا ) أَيْ نَحْنُ , وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ظَنَّا أَيْ هُمَا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ عَلِمْنَا , فَالظَّنُّ الْأَوَّلُ حُسْبَانٌ وَالْآخَرُ عِلْمٌ وَيَقِينٌ. وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الظَّنَّ مَرَّةً حُسْبَانًا وَمَرَّةً عِلْمًا وَيَقِينًا , وَذَلِكَ لِاتِّصَالِ طَرَفَيْهِمَا فَمَبْدَأُ الْعِلْمِ ظَنٌّ وَآخِرُهُ عِلْمٌ وَيَقِينٌ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ } مَعْنَاهُ يُوقِنُونَ ( فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ ) أَيْ اِسْتَقْبَلَ الرَّجُلَيْنِ شَخْصٌ مَعَهُ هَدِيَّةٌ يُهْدِيهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ. ( فِي أَثَرِهِمَا ) , بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ عَقِبَهُمَا ( فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمَا ) أَيْ لَمْ يَغْضَبْ غَضَبًا شَدِيدًا بَاقِيًا بَلْ زَالَ غَضَبُهُ سَرِيعًا. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.