💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( أَنَّ حُذَيْفَةَ ) هُوَ اِبْنُ الْيَمَانِ ( وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ) أَيْ كَانَ عُثْمَانُ يُجَهِّزُ أَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ لِغَزْوِ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَفَتْحِهِمَا. قَالَ الْحَافِظُ : إِنَّ إِرْمِينِيَّةَ فُتِحَتْ فِي خِلَافِهِ عُثْمَانَ , وَكَانَ أَمِيرًا لِعَسْكَرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ , وَكَانَ عُثْمَانُ أَمَرَ أَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ذَلِكَ , وَكَانَ أَمِيرَ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرِ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ , وَكَانَ حُذَيْفَةُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ غَزَا مَعَهُمْ , وَكَانَ هُوَ عَلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِ الْعِرَاقِ اِنْتَهَى. وَإِرْمِينِيَّةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ خَفِيفَةٌ , وَقَدْ تُثَقَّلُ. وَقَالَ اِبْنُ السَّمْعَانِيِّ : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ يَضُمُّ كُوَرًا كَثِيرَةً. وَقَالَ الرَّشَاطِيُّ : اُفْتُتِحَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى يَدِ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَأَذْرَبِيجَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ , وَقِيلَ بِسُكُونِ الذَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ جِيمٌ خَفِيفَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ. وَحَكَى اِبْنُ مَكِّيٍّ : كَسْرَ أَوَّلِهِ وَضَبَطَهَا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ , وَنَقَلَهُ عَنْ اِبْنِ الْأَعْرَابِيِّ , بِسُكُونِ الذَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ : بَلَدٌ كَبِيرٌ مِنْ نَوَاحِي جِبَالِ الْعِرَاقِ وَهِيَ الْآنَ تَبْرِيزٌ وَقَصَبَاتُهَا , وَهِيَ تَلِي إِرْمِينِيَّةَ مِنْ جِهَةِ غَرْبِيِّهَا وَاتُّفِقَ غَزْوُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ , وَاجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ , وَالْمَذْكُورُ فِي ضَبْطِ أَذْرَبِيجَانَ هُوَ الْمَشْهُورُ , وَقَدْ تُمَدُّ الْهَمْزَةُ , وَقَدْ تُحْذَفُ وَقَدْ تُفْتَحُ الْمُوَحَّدَةُ , وَقِيلَ فِي ضَبْطِهَا غَيْرُ ذَلِكَ ( فَرَأَى حُذَيْفَةُ اِخْتِلَافَهُمْ فِي الْقُرْآنِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةُ اِخْتِلَافَهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ هَا هُنَا رِوَايَاتٍ تُوَضِّحُ مَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَةِ , فَفِي رِوَايَةٍ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى سَمِعَ حُذَيْفَةُ مِنْ اِخْتِلَافِهِمْ مَا ذَعَرَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ : فَتَذَاكَرُوا الْقُرْآنَ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى كَانَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ , فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : أَدْرِكْ النَّاسَ , قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : غَزَوْت فَرْجَ إِرْمِينِيَّةَ فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ , وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ فَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ , وَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ : قِرَاءَةُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , فَغَضِبَ , ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ اِخْتَلَفُوا , وَاَللَّهِ لَأَرْكَبَنَّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ اِثْنَيْنِ اِخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَرَأَ هَذَا : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وَقَرَأَ هَذَا : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ , فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ حُذَيْفَةُ : يَقُولُ أَهْلُ الْكُوفَةِ قِرَاءَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ , وَيَقُولُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ : قِرَاءَةُ أَبِي مُوسَى , وَاَللَّهِ لَئِنْ قَدِمْت عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَأَمَرْته أَنْ يَجْعَلَهَا قِرَاءَةً وَاحِدَةً ( أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ ) أَمْرٌ مِنْ الْإِدْرَاكِ , بِمَعْنَى التَّدَارُكِ ( فَأَرْسَلَ ) أَيْ عُثْمَانُ ( إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ ) وَكَانَتْ الصُّحُفُ بَعْدَمَا جَمَعَ الْقُرْآنَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ , ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ , ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ( نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدَّهَا إِلَيْك ) أَيْ نَنْقُلُهَا , وَالْمَصَاحِفُ جَمْعُ الْمُصْحَفِ : بِضَمِّ الْمِيمِ. قَالَ الْحَافِظُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الصُّحُفِ وَالْمُصْحَفِ أَنَّ الصُّحُفَ الْأَوْرَاقَ الْمُجَرَّدَةَ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ سُوَرًا مُفَرَّقَةً كُلُّ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٍ بِآيَاتِهَا عَلَى حِدَةٍ , وَلَكِنْ لَمْ يُرَتَّبْ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ , فَلَمَّا نُسِخَتْ وَرُتِّبَ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ , صَارَتْ مُصْحَفًا اِنْتَهَى. ( فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنْ اِنْسَخُوا الصُّحُفَ ) أَيْ اُنْقُلُوا مَا فِيهَا. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَأَمَرَ , مَكَانَ فَأَرْسَلَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اِسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ , فَأَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ. قَالَ عَلِيٌّ : لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا , فَوَاَللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا , قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ , فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِك , وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا. قُلْنَا : فَمَا تَرَى ؟ قَالَ : نَرَى أَنْ نَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ , فَلَا تَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اِخْتِلَافٌ. قُلْنَا : فَنِعْمَ مَا رَأَيْت ( وَقَالَ ) أَيْ عُثْمَانُ ( لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ ) يَعْنِي سَعِيدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَبْدَ اللَّهِ ; لِأَنَّ سَعِيدًا أُمَوِيٌّ , وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَخْزُومِيٌّ , وَعَبْدُ اللَّهِ أَسَدِيٌّ , وَكُلُّهَا مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ ( فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ ) أَيْ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ. قَالَ الْقَاضِي اِبْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ : مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَيْ مُعْظَمُهُ , وَأَنَّهُ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ , فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } أَنَّهُ نَزَلَ بِجَمِيعِ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ مُضَرَ دُونَ رَبِيعَةَ , أَوْ هُمَا دُونَ الْيَمَنِ , أَوْ قُرَيْشًا دُونَ غَيْرِهِمْ , فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ ; لِأَنَّ اِسْمَ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا , وَلَوْ سَاغَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَسَاغَ لَلْآخَرَانِ. وَيَقُولُ : نَزَلَ بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا ; لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَبًا مِنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ ( إِلَى كُلِّ أُفُقٍ ) بِضَمَّتَيْنِ : أَيْ طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْآفَاقِ ( بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ الْمَصَاحِفِ الَّتِي نَسَخُوا ) زَادَ الْبُخَارِيُّ : وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ تَحْرِيقِ الْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا اِسْمُ اللَّهِ بِالنَّارِ وَأَنَّ ذَلِكَ إِكْرَامٌ لَهَا وَصَوْنٌ عَنْ وَطْئِهَا بِالْأَقْدَامِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ : أَنَّهُ كَانَ يُحْرِقُ الرَّسَائِلَ الَّتِي فِيهَا الْبَسْمَلَةُ إِذَا اِجْتَمَعَتْ , وَكَذَا فِعْلُ عُرْوَةَ , وَكَرِهَهُ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ : الرِّوَايَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَصَحُّ , وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَأَمَّا الْآنَ : فَالْغَسْلُ أَوْلَى لِمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ , هَكَذَا فِي الْفَتْحِ. وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ أَصْحَابُنَا الْحَنَفِيَّةُ : إِنَّ الْمُصْحَفَ إِذَا بَلِيَ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ , يُدْفَنُ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ بَعِيدٍ عَنْ وَطْءِ النَّاسِ. قُلْت : لَوْ تَأَمَّلْت عَرَفْت أَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ فِي الْإِحْرَاقِ دُونَ الدَّفْنِ , وَلِهَذَا اِخْتَارَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ دُونَ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ : ( قَالَ الزُّهْرِيُّ وَحَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ إِلَخْ ) هَذَا مَوْصُولٌ إِلَى الزُّهْرِيِّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ : { مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } مِنْ الثَّبَاتِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ } مَاتَ أَوْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } ذَلِكَ ( فَوَجَدْتهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ , أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ ) كَذَا فِي هَذَا الْكِتَابِ بِالشَّكِّ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ بِغَيْرِ شَكٍّ ( فَأَلْحَقْتهَا فِي سُورَتِهَا ) فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ اِكْتَفَى بِخُزَيْمَةَ وَحْدَهُ , وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ , وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَنَّ فَقْدَهُ فَقْدُ وُجُودِهَا مَكْتُوبَةً , لَا فَقْدُ وُجُودِهَا مَحْفُوظَةً , بَلْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَمْعِ الْقُرْآنِ : فَأَخَذْت أَتَتَبَّعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْعَسْبِ. قَوْلُهُ : ( قَالَ الزُّهْرِيُّ فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ ) أَيْ هَلْ هُوَ بِالتَّاءِ أَوْ بِالْهَاءِ ( فَقَالَ الْقُرَشِيُّونَ التَّابُوتُ ) أَيْ بِالتَّاءِ ( وَقَالَ زَيْدٌ التَّابُوهُ ) أَيْ بِالْهَاءِ ( اُكْتُبُوهُ التَّابُوتُ ) أَيْ بِالتَّاءِ. قَوْلُهُ : ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ إِلَخْ ) الْعُذْرُ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْمَدِينَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بِالْكُوفَةِ , وَلَمْ يُؤَخِّرْ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ وَيَحْضُرَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ عُثْمَانَ أَرَادَ نَسْخَ الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ جُمِعَتْ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ , وَأَنْ يَجْعَلَهَا مُصْحَفًا وَاحِدًا , وَكَانَ الَّذِي نَسَخَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لِكَوْنِهِ كَاتِبَ الْوَحْيِ , فَكَانَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوَّلِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ ( أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ , أَيْ أُنَحَّى عَنْ نَسْخِ الْمَصَاحِفِ الْمَكْتُوبَةِ ( وَيَتَوَلَّاهَا ) أَيْ كِتَابَةَ الْمَصَاحِفِ ( اُكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا إِلَخْ ) أَيْ اِخْفُوهَا وَاسْتُرُوهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ كَانَ مُصْحَفُهُ يُخَالِفُ مُصْحَفَ الْجُمْهُورِ , وَكَانَتْ مَصَاحِفُ أَصْحَابِهِ كَمُصْحَفِهِ , فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَأَمَرُوهُ بِتَرْكِ مُصْحَفِهِ وَبِمُوَافَقَةِ مُصْحَفِ الْجُمْهُورِ , وَطَلَبُوا مُصْحَفَهُ أَنْ يُحَرِّقُوهُ كَمَا فَعَلُوا بِغَيْرِهِ فَامْتَنَعَ , وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : غُلُّوا مَصَاحِفَكُمْ , أَيْ اُكْتُمُوهَا { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يَعْنِي فَإِذَا غَلَلْتُمُوهَا جِئْتُمْ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَكَفَى لَكُمْ بِذَلِكَ شَرَفًا. ثُمَّ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ : وَمَنْ هُوَ الَّذِي تَأْمُرُونَنِي أَنْ آخُذَ بِقِرَاءَتِهِ وَأَتْرُكَ مُصْحَفِي الَّذِي أَخَذْته مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَالْقُوا الْقَوْلَ ) أَمْرٌ مِنْ اللِّقَاءِ ( فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كُرِهَ إِلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ قَدْ كَرِهُوا قَوْلَ اِبْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورَ , وَقَوْلُهُ مِنْ مَقَالَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ. [ تَنْبِيهٌ ] قَالَ اِبْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ : الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ جَمْعِ عُثْمَانَ , أَنَّ جَمْعَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِذَهَابِ حَمَلَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ , فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَمْعُ عُثْمَانَ كَانَ لَمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقُرْآنِ حِينَ قَرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اِتِّسَاعِ اللُّغَاتِ , فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ , فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ , فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ , وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ , مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ , وَإِنْ كَانَ قَدْ وَسَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي اِبْتِدَاءِ الْأَمْرِ , فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ اِنْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ , أَوْ كَانَ لُغَةُ قُرَيْشٍ أَرْجَحَ اللُّغَاتِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.