💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ) الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأُرْدُنِّيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَتَشْدِيدِ النُّونِ , صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا مِنْ السَّادِسَةِ ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ ) بِالْجِيمِ اللَّخْمِيُّ شَامِيٌّ مَقْبُولٌ. وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : يُقَالُ إِنَّهُ عَمُّ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ , ذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ لَهُ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ : ( إِذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا ) , الْحَدِيثَ ( عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ ) الدِّمَشْقِيِّ اِسْمُهُ يُحْمِدُ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ , وَقِيلَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمِيمِ , وَقِيلَ اِسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مَقْبُولٌ مِنْ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ : ( فَقُلْت لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , يَعْنِي مَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا تَقُولُ فِيهَا , فَإِنَّ ظَاهِرَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِصْلَاحُ نَفْسِهِ ( أَمَا ) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ ( لَقَدْ سَأَلْت ) بِفَتْحِ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ ( خَبِيرًا ) أَيْ عَارِفًا وَعَالِمًا بِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ( سَأَلْت ) بِضَمِّ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ ( بَلْ اِئْتَمَرُوا ) أَيْ اِمْتَثِلُوا ( بِالْمَعْرُوفِ ) أَيْ وَمِنْهُ الْأَمْرُ بِهِ ( وَتَنَاهَوْا ) أَيْ اِنْتَهُوا وَاجْتَنِبُوا ( عَنْ الْمُنْكَرِ ) وَمِنْهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ نَهْيِهِ أَوْ الِائْتِمَارِ بِمَعْنَى التَّآمُرِ , كَالِاخْتِصَامِ بِمَعْنَى التَّخَاصُمِ , وَيُؤَيِّدُهُ التَّنَاهِي. وَالْمَعْنَى لِيَأْمُرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَعْرُوفِ , وَتَنْهَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ طَائِفَةً عَنْ الْمُنْكَرِ. الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ ( بَلْ اِئْتَمِرُوا ) إِضْرَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ , أَيْ سَأَلْت عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْت أَمَا نَتْرُكُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " لَا تَتْرُكُوا بَلْ اِئْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ " إِلَخْ ( حَتَّى إِذَا رَأَيْت ) أَيْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا. وَالْمَعْنَى إِذَا عَلِمْت الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ " شُحًّا مُطَاعًا" أَيْ بُخْلًا مُطَاعًا بِأَنْ أَطَاعَتْهُ نَفْسُك وَطَاوَعَهُ غَيْرُك قَالَهُ الْقَارِي. النِّهَايَةِ : هُوَ أَشَدُّ الْبُخْلِ , وَقِيلَ الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ , وَقِيلَ الْبُخْلُ فِي أَفْرَادِ الْأُمُورِ وَآحَادِهَا , وَالشُّحُّ عَامٌّ , وَقِيلَ الْبُخْلُ بِالْمَالِ وَالشُّحُّ بِالْمَالِ وَبِالْمَعْرُوفِ ( وَهَوًى مُتَّبَعًا ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ , أَيْ وَهَوًى لِلنَّفْسِ مَتْبُوعًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا يَتَّبِعُ هَوَاهُ ( وَدُنْيَا ) بِالْقَصْرِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ فِي الدَّارِ الدَّنِيَّةِ ( مُؤْثَرَة ) أَيْ مُخْتَارَةً عَلَى أُمُورِ الدِّينِ ( وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَالْإِعْجَابُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ هُوَ وِجْدَانُ الشَّيْءِ حَسَنًا وَرُؤْيَتُهُ مُسْتَحْسَنًا بِحَيْثُ يَصِيرُ صَاحِبُهُ بِهِ مُعْجَبًا وَعَنْ قَبُولِ كَلَامِ الْغَيْرِ مُجَنَّبًا وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ( فَعَلَيْك بِخَاصَّةِ نَفْسِك ) مَنْصُوبٌ وَقِيلَ مَرْفُوعٌ , أَيْ فَالْوَاجِبُ أَوْ فَيَجِبُ عَلَيْك حِفْظُهَا مِنْ الْمَعَاصِي. لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْإِغْرَاءِ بِمَعْنَى اِلْزَمْ خَاصَّةَ نَفْسِك قَوْلُهُ ( وَدَعْ الْعَوَامَّ ) أَيْ اُتْرُكْ أَمْرَ عَامَّةِ النَّاسِ الْخَارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ الْخَوَاصِّ ( فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا ) أَيْ قُدَّامَكُمْ مِنْ الْأَزْمَانِ الْآتِيَةِ ( الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ) يَعْنِي يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِالصَّبْرِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كَمَشَقَّةِ الصَّابِرِ عَلَى قَبْضِ الْجَمْرِ بِيَدِهِ ( يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ) . رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : ( يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ ) , أَيْ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ ( قَالَ لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هَؤُلَاءِ فِي الْأَجْرِ عَلَى الصَّحَابَةِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ , وَقَدْ جَاءَ أَمْثَالُ هَذَا أَحَادِيثُ أُخَرُ , وَتَوْجِيهُهُ كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْفَضْلَ الْجُزْئِيَّ لَا يُنَافِي الْفَضْلَ الْكُلِّيَّ. تَكَلَّمَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ : يُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَةِ بَعْضٍ مِنْهُمْ أَوْ أَفْضَلَ وَمُخْتَارُ الْعُلَمَاءِ خِلَافُهُ اِنْتَهَى. الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : لَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ : : أَنَّ الْأَعْمَالَ تُشْرِفُ بِثَمَرَاتِهَا , وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْغَرِيبَ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ كَالْغَرِيبِ فِي أَوَّلِهِ وَبِالْعَكْسِ , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي " , يُرِيدُ الْمُنْفَرِدِينَ عَنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ. إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَقُولُ : الْإِنْفَاقُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ " , أَيْ مُدَّ الْحِنْطَةِ. فِيهِ أَنَّ تِلْكَ النَّفَقَةِ أَثْمَرَتْ فِي فَتْحِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ مَا لَا يُثْمِرُ غَيْرُهَا , وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ بِالنُّفُوسِ لَا يَصِلُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ إِلَى فَضْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِقِلَّةِ عَدَدِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقِلَّةِ أَنْصَارِهِمْ , فَكَانَ جِهَادُهُمْ أَفْضَلَ , وَلِأَنَّ بَذْلَ النَّفْسِ مَعَ النُّصْرَةِ وَرَجَاءَ الْحَيَاةِ لَيْسَ كَبَذْلِهَا مَعَ عَدَمِهَا , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " يَكُونُ الْقَابِضُ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ لَا يَسْتَطِيعُ دَوَامَ ذَلِكَ لِمَزِيدِ الْمَشَقَّةِ فَكَذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُ فِي حِفْظِ دِينِهِ , وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمُعِينِ وَعَدَمِ الْمُنْكِرِ ". فَعَلَى هَذَا يُتْرَكُ الْحَدِيثُ اِنْتَهَى , كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.