💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ اِبْنِ أَبِي لَيْلَى ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ جِدًّا ( عَنْ أَخِيهِ ) هُوَ عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ثُمَّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ. [ فَائِدَةٌ ] : اِبْنُ أَبِي لَيْلَى إِذَا أُطْلِقَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ الْكُوفِيُّ , وَإِذَا أُطْلِقَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَبُوهُ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ لِابْنِ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيِّ. [ فَائِدَةٌ أُخْرَى ] : يُطْلَقُ اِبْنُ أَبِي لَيْلَى عَلَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ : الْأَوَّلُ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْكُوفِيُّ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ , وَكَانَ قَاضِيَ الْكُوفَةِ : مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ , وَجَعَلَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ اِبْنَ أَخِيهِ مَكَانَهُ ذَكَرَهُ اِبْنُ قُتَيْبَةَ , وَفِي طَبَقَاتِ الْقُرَّاءِ لِلذَّهَبِيِّ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَاضِي الْكُوفَةِ قَرَأَ عَلَى أَخِيهِ عِيسَى وَغَيْرِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ كَبِيرُ الْقَدْرِ مِنْ نُظَرَاءِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ , يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَفِي الْكَاشِفِ لِلذَّهَبِيِّ : اِبْنُ أَبِي لَيْلَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيُّ الْقَاضِي عَنْ الشَّعْبِيِّ وَخَلْقٍ , وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَوَكِيعٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَخَلْقٌ. قَالَ أَحْمَدُ سَيِّئُ الْحِفْظِ , اِنْتَهَى. وَالثَّانِي : أَخُوهُ عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْمَذْكُورُ. وَالثَّالِثُ : اِبْنُ أَخِيهِ , أَعْنِي اِبْنَ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ. وَالرَّابِعُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى الْمَذْكُورُ. أَعْنِي وَالِدَ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى الْمَذْكُورَيْنِ. قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : السَّهْوَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الطَّاقُ فِي الْحَائِطِ يُوضَعُ فِيهَا الشَّيْءُ , وَقِيلَ هِيَ الصُّفَّةُ , وَقِيلَ الْمُخْدَعُ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ , وَقِيلَ هُوَ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالرَّفِّ , وَقِيلَ بَيْتٌ صَغِيرٌ كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ , قَالَ : كُلُّ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يُسَمَّى السَّهْوَةَ , وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ الْكُلَّ , وَلَكِنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ , اِنْتَهَى. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : السَّهْوَةُ بَيْتٌ صَغِيرٌ مُنْحَدِرٌ فِي الْأَرْضِ قَلِيلًا شَبِيهٌ بِالْمُخْدَعِ وَالْخِزَانَةِ , وَقِيلَ هُوَ كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ الْبَيْتِ , وَقِيلَ شَبِيهٌ بِالرَّفِّ أَوْ الطَّاقِ يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ , اِنْتَهَى ( فَكَانَتْ تَجِيءُ الْغُولُ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ شَيْطَانٌ يَأْكُلُ النَّاسِ , وَقِيلَ هُوَ مَنْ يَتَلَوَّنُ مِنْ الْجِنِّ , اِنْتَهَى. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ : الْغُولُ أَحَدُ الْغِيلَانِ وَهِيَ جِنْسٌ مِنْ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ كَانَتْ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الْغُولَ فِي الْفَلَاةِ تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فَتَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا , أَيْ تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا فِي صُوَرٍ شَتَّى , وَتَغُولُهُمْ , أَيْ تُضِلُّهُمْ عَنْ الطَّرِيقِ وَتُهْلِكُهُمْ , فَنَفَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبْطَلَهُ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " لَا غُولَ وَلَا صَفَرَ " , وَقِيلَ قَوْلُهُ " لَا غُولَ " لَيْسَ نَفْيًا لِعَيْنِ الْغُولِ وَوُجُودِهِ , وَإِنَّمَا فِيهِ إِبْطَالُ زَعْمِ الْعَرَبِ فِي تَلَوُّنِهِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاغْتِيَالِهِ. فَيَكُونُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ " لَا غُولَ " أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضِلَّ أَحَدًا , ثُمَّ ذَكَرَ الْجَزَرِيُّ حَدِيثَ : " إِذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ ". وَقَالَ : أَيْ اِدْفَعُوا شَرَّهَا بِذِكْرِ اللَّهِ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ يُرِدْ بِنَفْيِهَا عَدَمَهَا , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ : كَانَ لِي تَمْرٌ فِي سَهْوَةٍ فَكَانَتْ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ. اِنْتَهَى. قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْجَزَرِيُّ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : " لَا غُولَ " , نَفْيُ وُجُودِهَا , بَلْ نَفْيُ مَا زَعَمَتْ الْعَرَبُ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الشَّرْعِ ( وَهِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ ) أَيْ مُعْتَادَةٌ لَهُ وَمُوَاظِبَةٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ : تَعُودهُ وَعَاوَدَهُ مُعَاوَدَةً وَعِوَادًا وَاعْتَادَهُ وَاسْتَعَادَهُ , جَعَلَهُ مِنْ عَادَتِهِ , وَالْمُعَاوِدُ : الْمُوَاظِبُ , اِنْتَهَى ( آيَةَ الْكُرْسِيِّ ) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ شَيْئًا ( وَلَا غَيْرُهُ ) أَيْ مِمَّا يَضُرُّك ( صَدَقَتْ وَهِيَ كَذُوبٌ ) هُوَ مِنْ التَّتْمِيمِ الْبَلِيغِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْهَمَ مَدْحَهَا بِوَصْفِهِ بِالصِّدْقِ فِي قَوْلِهِ ( صَدَقَتْ ) اِسْتَدْرَكَ نَفْيَ الصِّدْقِ عَنْهَا بِصِيغَةِ مُبَالَغَةٍ , وَالْمَعْنَى صَدَقَتْ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَعَ أَنَّهَا عَادَتُهَا الْكَذِبُ الْمُسْتَمِرُّ , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ. وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا لِأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ , وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ , وَأَبِي أَسِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ أَبِي الدُّنْيَا قِصَصٌ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّدِ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَرْغِيبِهِ وَذَكَرَ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ.