" مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ ".
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْثًا وَهُمْ ذُو عَدَدٍ فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ " مَا مَعَكَ يَا فُلاَنُ " . قَالَ مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ . قَالَ " أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ " . فَقَالَ نَعَمْ . قَالَ " فَاذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ " . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إِلاَّ خَشْيَةَ أَلاَّ أَقُومَ بِهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَءُوهُ وَأَقْرِئُوهُ فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ بِرِيحِهِ كُلُّ مَكَانٍ وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ وُكِئَ عَلَى مِسْكٍ " . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنِ اللَّيْثِ فَذَكَرَهُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَطَاءٍ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : عَطَاءٌ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ أَوْ اِبْنُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ حِجَازِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَ : " تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَقُومُوا بِهِ ". الْحَدِيثَ , وَعَنْهُ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ أَخْرَجُوا لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ : قَرَأْت بِخَطِّ الذَّهَبِيِّ لَا يُعْرَفُ , اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ جَيْشًا , وَالْبَعْثُ بِمَعْنَى الْمَبْعُوثِ , وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَيْشُ ( وَهُمْ ) أَيْ الْجَيْشُ الْمَبْعُوثُ ( فَاسْتَقْرَأَهُمْ ) أَيْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَءُوا ( فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ) أَيْ وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْهُمْ ( فَأَتَى ) أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ لَا أَقُومَ بِهَا ) أَيْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ( تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ ) أَيْ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ : تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِيهِ فَلَا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ تَبْدِيلٌ وَتَحْرِيفٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ أَوْ الْقَرْيَةِ مَنْ يَتْلُو الْقُرْآنَ أَثِمُوا بِأَسْرِهِمْ ( وَاقْرَءُوهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ " فَاقْرَءُوهُ " بِالْفَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَاقْرَءُوهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } أَيْ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَدَاوِمُوا تِلَاوَتَهُ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ , يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ( فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ ) أَيْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَتِهِ أَوْ عَمِلَ بِهِ ( كَمَثَلِ جِرَابٍ ) بِالْكَسْرِ وَالْعَامَّةُ تَفْتَحُهُ , قِيلَ لَا تَفْتَحْ الْجِرَابَ وَلَا تَكْسِرْ الْقَنْدِيلَ , وَخَصَّ الْجِرَابَ هُنَا بِالذِّكْرِ اِحْتِرَامًا لِأَنَّهُ مِنْ أَوْعِيَةِ الْمِسْكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : التَّقْدِيرُ فَإِنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ لِأَجْلِ مَنْ تَعَلَّمَهُ , كَضَرْبِ الْمَثَلِ لِلْجِرَابِ , فَمَثَلُ مُبْتَدَأٌ وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ وَاللَّامُ فِي لِمَنْ تَعَلَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ كَمَثَلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْضًا , وَالتَّشْبِيهُ إِمَّا مُفْرَدٌ , وَإِمَّا مُرَكَّبٌ ( مَحْشُوٍّ ) أَيْ مَمْلُوءٍ مَلْأً شَدِيدًا بِأَنْ حُشِيَ بِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهِ ( مِسْكًا ) نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ ( يَفُوحُ رِيحُهُ ) أَيْ يَظْهَرُ وَيَصِلُ رَائِحَتُهُ ( فِي كُلِّ مَكَانٍ ) قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ : يَعْنِي صَدْرُ الْقَارِئِ كَجِرَابٍ وَالْقُرْآنُ فِيهِ كَالْمِسْكِ. فَإِنَّهُ إِذَا قَرَأَ وَصَلَتْ بَرَكَتُهُ إِلَى تَالِيه وَسَامِعِيهِ , اِنْتَهَى. قَالَ الْقَارِي : وَلَعَلَّ إِطْلَاقَ الْمَكَانِ لِلْمُبَالَغَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } مَعَ أَنَّ التَّدْمِيرَ وَالْإِيتَاءَ خَاصٌّ ( وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ , أَيْ مَثَلُ رِيحِ مَنْ تَعَلَّمَهُ ( فَيَرْقُدُ ) أَيْ يَنَامُ عَنْ الْقِيَامِ وَيَغْفُلُ عَنْ الْقِرَاءَةِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ ( وَهُوَ ) أَيْ الْقُرْآنُ ( فِي جَوْفِهِ ) أَيْ فِي قَلْبِهِ ( اُرْكُضْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رُبِطَ ( عَلَى مِسْكٍ ) . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ شُدَّ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْأَوْعِيَةُ. قَالَ الْمُظْهِرُ : فَإِنَّ مَنْ قَرَأَ يَصِلُ بَرَكَتُهُ مِنْهُ إِلَى بَيْتِهِ وَإِلَى السَّامِعِينَ , وَيَحْصُلُ اِسْتِرَاحَةٌ وَثَوَابٌ إِلَى حَيْثُ يَصِلُ صَوْتُهُ فَهُوَ كَجِرَابٍ مَمْلُوءٍ مِنْ الْمِسْكِ إِذَا فُتِحَ رَأْسُهُ تَصِلُ رَائِحَتُهُ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ حَوْلَهُ , وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَقْرَأْ لَمْ يَصِلْ بَرَكَتُهُ مِنْهُ لَا إِلَى نَفْسِهِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ كَجِرَابٍ مَشْدُودٍ رَأْسُهُ وَفِيهِ مِسْكٌ فَلَا يَصِلُ رَائِحَتُهُ مِنْهُ إِلَى أَحَدٍ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَك أَعْظَمُ " قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ " يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَك أَعْظَمُ " قُلْتُ : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } , قَالَ " فَضَرَبَ فِي صَدْرِي قَالَ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ".
" مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ ".
" مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ الْبَقَرَةِ عِنْدَ مَنَامِهِ، لَمْ يَنْسَ الْقُرْآنَ : أَرْبَعُ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِهَا، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآيَتَانِ بَعْدَهَا، وَثَلَاثٌ مِنْ آخِرِهَا " . قَالَ إِسْحَاقُ : لَمْ يَنْسَ مَا قَدْ حَفِظَ، قَالَ أَبُو مُحَمَّد : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْمُغِيرَةُ بْنُ سُمَيْعٍ
تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ قَالَ ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ يُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْ…
اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي شَافِعًا لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا وَاقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ قَ…
" إِنَّ أَخًا لَكُمْ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ فِي صَدْعِ جَبَلٍ وَعْرٍ طَوِيلٍ، وَعَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ شَجَرَتَانِ خَضْرَاوَانِ تَهْتِفَانِ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ؟ هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ ؟ فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ، دَنَتَا بِأَعْذَاقِهِمَا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِمَا، فَتَخْطِرَانِ بِهِ الْجَبَلَ " . قَالَ أَبُو مُحَمَّد : الْأَعْذَ…
