💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( ضَافَهُ ) أَيْ نَزَلَ بِهِ ( فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ ) أَيْ بَأَحْلَابِهَا ( فَحُلِبَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَشَرِبَ ) أَيْ الضَّيْفُ الْكَافِرُ حِلَابَهَا ( ثُمَّ أُخْرَى ) أَيْ ثُمَّ حُلِبَتْ شَاةٌ أُخْرَى ( حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ ) الْحِلَابُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ اللَّامِ اللَّبَنُ الَّذِي تَحْلُبُهُ وَالْإِنَاءُ الَّذِي تَحْلُبُ فِيهِ اللَّبَنَ , وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ ( ثُمَّ أَصْبَحَ ) أَيْ الضَّيْفُ الْكَافِرُ ( فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا ) أَيْ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَشْرَبَ لَبَنَ الشَّاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى التَّمَامِ ( وَالْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ) إِلَخْ , قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ , فَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ وَزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا , وَالْكَافِرِ وَحِرْصِهِ عَلَيْهَا , فَكَانَ الْمُؤْمِنُ لِتَقَلُّلِهِ مِنْ الدُّنْيَا يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ , وَالْكَافِرُ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ فِيهَا وَاسْتِكْثَارِهِ مِنْهَا يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ , فَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْأَمْعَاءِ وَلَا خُصُوصَ الْأَكْلِ , وَإِنَّمَا الْمُرَادُ التَّقَلُّلُ مِنْ الدُّنْيَا وَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهَا , فَكَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ تَنَاوُلِ الدُّنْيَا بِالْأَكْلِ وَعَنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ بِالْأَمْعَاءِ , وَوَجْهُ الْعَلَاقَةِ ظَاهِرٌ. وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ الْحَلَالَ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ الْحَرَامَ وَالْحَلَالُ أَقَلُّ مِنْ الْحَرَامِ فِي الْوُجُودِ , نَقَلَهُ اِبْنُ التِّينِ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ عِمْرَانَ نَحْوَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقِيلَ الْمُرَادُ حَضُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ صِفَةُ الْكَافِرِ , فَإِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَنْفِرُ مِنْ الِاتِّصَافِ بِصِفَةِ الْكَافِرِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ مِنْ صِفَةِ الْكُفَّارِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ }. وَقِيلَ : بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنَّهُ وَرَدَ فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَاللَّامُ عَهْدِيَّةٌ لَا جِنْسِيَّةٌ , جَزَمَ بِذَلِكَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ : لَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَدْفَعُهُ , فَكَمْ مِنْ كَافِرٍ يَكُونُ أَقَلَّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِنٍ وَعَكْسُهُ , وَكَمْ مِنْ كَافِرٍ أَسْلَمَ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِقْدَارُ أَكْلِهِ , قَالَ : وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ , وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ مَالِكٌ الْحَدِيثَ الْمُطْلَقَ. وَكَذَا الْبُخَارِيُّ , فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا إِذَا كَانَ كَافِرًا كَانَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ عُوفِيَ وَبُورِكَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَكَفَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ مِمَّا كَانَ يَكْفِيه وَهُوَ كَافِرٌ اِنْتَهَى. وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا الْحَمْلُ بِأَنَّ اِبْنَ عُمَرَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ فَهِمَ مِنْهُ الْعُمُومَ فَلِذَلِكَ مَنَعَ الَّذِي رَآهُ يَأْكُلُ كَثِيرًا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ , ثُمَّ كَيْفَ يَتَأَتَّى حَمْلُهُ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيحِ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ , وَيُورِدُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَقِبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِي حَقِّ الَّذِي وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ. الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْحَدِيثَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلَيْسَتْ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ مُرَادَةً , قَالُوا تَخْصِيصُ السَّبْعَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّكْثِيرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ التَّقَلُّلَ مِنْ الْأَكْلِ لِاشْتِغَالِهِ بِأَسْبَابِ الْعِبَادَةِ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ مِنْ الْأَكْلِ مَا يَسُدُّ الْجُوعَ وَيُمْسِكُ الرَّمَقَ وَيُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ , وَلِخَشْيَتِهِ أَيْضًا مِنْ حِسَابِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ , وَالْكَافِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ مَعَ مَقْصُودِ الشَّرْعِ بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ مُسْتَرْسِلٌ فِيهَا غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ تَبِعَاتِ الْحَرَامِ , فَصَارَ أَكْلُ الْمُؤْمِنِ لِمَا ذَكَرْته إِذَا نُسِبَ إِلَى أَكْلِ الْكَافِرِ كَأَنَّهُ بِقَدْرِ السَّبْعِ مِنْهُ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اِطِّرَادُهُ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ , فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَأْكُل كَثِيرًا إِمَّا بِحَسْبِ الْعَادَةِ وَإِمَّا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مَرَضٍ بَاطِنٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ , وَيَكُونُ فِي الْكُفَّارِ مَنْ يَأْكُلُ قَلِيلًا إِمَّا لِمُرَاعَاةِ الصِّحَّةِ عَلَى رَأْيِ الْأَطِبَّاءِ , وَإِمَّا لِلرِّيَاضَةِ عَلَى رَأْيِ الرُّهْبَانِ , وَإِمَّا لِعَارِضٍ كَضَعْفِ الْمَعِدَةِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّامُّ الْإِيمَانِ لِأَنَّ مِنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَكَمُلَ إِيمَانُهُ اِشْتَغَلَ فِكْرُهُ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ , فَيَمْنَعُهُ شِدَّةُ الْخَوْفِ وَكَثْرَةُ الْفِكْرِ وَالْإِشْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اِسْتِيفَاءِ شَهْوَتِهِ , كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ : " مَنْ كَثُرَ تَفَكُّرُهُ قَلَّ طَمَعُهُ , وَمَنْ قَلَّ تَفَكُّرُهُ كَثُرَ طَمَعُهُ ; وَقَسَا قَلْبُهُ ". وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّحِيحُ : إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ يَقْصِدُ فِي مَطْعَمِهِ , وَأَمَّا الْكَافِرُ فَمِنْ شَأْنِهِ الشَّرَهُ فَيَأْكُلُ بِالنَّهَمِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ , وَلَا يَأْكُلُ بِالْمَصْلَحَةِ لِقِيَامِ الْبِنْيَةِ. وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ : قَدْ ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَفَاضِلِ السَّلَفِ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إِيمَانِهِمْ. الرَّابِعُ : أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ , فَلَا يَشْرَكُهُ الشَّيْطَانُ فَيَكْفِيه الْقَلِيلُ , وَالْكَافِرُ لَا يُسَمِّي فَيَشْرَكُهُ الشَّيْطَانُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِنْ لَمْ يُذْكَرْ اِسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ". الْخَامِسُ : قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَأَنَّ أَكْثَرَ الْكُفَّارِ يَأْكُلُونَ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ , وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبْعَةِ مِثْلَ مِعَى الْمُؤْمِنِ اِنْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَمْعَاءِ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ التَّشْرِيحِ : أَنَّ أَمْعَاءَ الْإِنْسَانِ سَبْعَةٌ : الْمَعِدَةُ ثُمَّ ثَلَاثَةُ أَمْعَاءٍ بَعْدَهَا مُتَّصِلَةٌ بِهَا : الْبَوَّابُ ثُمَّ الصَّائِمُ ثُمَّ الرَّقِيقُ وَالثَّلَاثَةُ رِقَاقٌ , ثُمَّ الْأَعْوَرُ وَالْقُولُونُ وَالْمُسْتَقِيمُ وَكُلُّهَا غِلَاظٌ , فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْكَافِرَ لِكَوْنِهِ يَأْكُلُ بِشَرَهٍ لَا يُشْبِعُهُ إِلَّا مَلْءُ أَمْعَائِهِ السَّبْعَةِ , وَالْمُؤْمِنُ يُشْبِعُهُ مَلْءُ مِعًى وَاحِدٍ. السَّادِسُ : قَالَ النَّوَوِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسَّبْعَةِ فِي الْكَافِرِ , صِفَاتٍ : هِيَ الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ وَطُولُ الْأَمَلِ وَالطَّمَعُ وَسُوءُ الطَّبْعِ وَالْحَسَدُ وَحُبُّ السِّمَنِ وَبِالْوَاحِدِ فِي الْمُؤْمِنِ سَدُّ خَلَّتِهِ. السَّابِعُ : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : شَهَوَاتُ الطَّعَامِ سَبْعٌ : شَهْوَةُ الطَّبْعِ , وَشَهْوَةُ النَّفْسِ , وَشَهْوَةُ الْعَيْنِ , وَشَهْوَةُ الْفَمِ , وَشَهْوَةُ الْأُذُنِ , وَشَهْوَةُ الْأَنْفِ , وَشَهْوَةُ الْجُوعِ , وَهِيَ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي يَأْكُلُ بِهَا الْمُؤْمِنُ , وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْكُلُ بِالْجَمِيعِ اِنْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ. قُلْتُ : فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بُعْدٌ كَمَا لَا يَخْفَى , وَالظَّاهِرُ عِنْدِي هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.