أَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ حُمِلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهَا
لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي لِتَدْفِنَهُ فِي مَقَابِرِنَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهِمْ . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَالَ أَبُو عِيسَى وَنُبَيْحٌ ثِقَةٌ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ) الْعَبْدِيِّ وَيُقَالُ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ يُكَنَّى أَبَا قَيْسٍ ثِقَةٌ مِنْ الرَّابِعَةِ ( سَمِعَتْ نُبَيْحًا الْعَنَزِيَّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ نُبَيْحٌ بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنَزِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ثُمَّ زَايٍ أَبُو عُمَرَ الْكُوفِيُّ مَقْبُولٌ مِنْ الثَّالِثَةِ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( جَاءَتْ عَمَّتِي ) عَمَّةُ جَابِرٍ هَذِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ حِرَامٍ الْأَنْصَارِيِّ كَمَا فِي الْمِرْقَاةِ ( بِأَبِي ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ ( لِتَدْفِنَهُ فِي مَقَابِرنَا ) أَيْ فِي الْمَدِينَةِ ( رُدُّوا الْقَتْلَى ) جَمْعُ الْقَتِيلِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ أَيْ الشُّهَدَاءَ ( إِلَى مَضَاجِعِهَا ) أَيْ مَقَاتِلِهِمْ , وَالْمَعْنَى لَا تَنْقُلُوا الشُّهَدَاءَ مِنْ مَقْتَلِهِمْ بَلْ اِدْفِنُوهُمْ حَيْثُ قُتِلُوا. قَالَ الْقَارِي : وَكَذَا مَنْ مَاتَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُنْقَلُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ , قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ : الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُدُّوا الْقَتْلَى لِلْوُجُوبِ , وَذَلِكَ أَنَّ نَقْلَ الْمَيِّتِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ التَّغَيُّرُ حَرَامٌ , وَكَانَ ذَلِكَ زَجْرًا عَنْ الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ , وَهَذَا أَظْهَرُ دَلِيلٍ وَأَقْوَى حُجَّةٍ فِي تَحْرِيمِ النَّقْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ نَقَلَهُ السَّيِّدُ , وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَهْيَ النَّقْلِ مُخْتَصٌّ بِالشُّهَدَاءِ لِأَنَّهُ نُقِلَ اِبْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مِنْ قَصْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوا , وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى نَقْلِهِمْ بَعْدَ دَفْنِهِمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ , وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ " مَضَاجِعِهِمْ " وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ الشُّهَدَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } وَفِيهِ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَهُوَ اِجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ حَيَاةً وَمَوْتًا وَبَعْثًا وَحَشْرًا , وَيَتَبَرَّكُ النَّاسُ بِالزِّيَارَةِ إِلَى مَشَاهِدِهِمْ , وَيَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى زِيَارَةِ جَبَلِ أُحُدٍ حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ " , اِنْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَقِيلَ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ دَفْنِهِ وَتَعْرِيضِهِ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ , وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ. وَالْأَوْلَى تَنْزِيلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَتَيْنِ , فَالْمَنْعُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَرَضٌ رَاجِحٌ كَالدَّفْنِ فِي الْبِقَاعِ الْفَاضِلَةِ , وَتَخْتَلِفُ الْكَرَاهَةُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ تَبْلُغُ التَّحْرِيمَ وَالِاسْتِحْبَابُ حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بِقُرْبِ مَكَانٍ فَاضِلٍ , كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اِسْتِحْبَابِ نَقْلِ الْمَيِّتِ إِلَى الْأَرْضِ الْفَاضِلَةِ كَمَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
أَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ حُمِلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهَا
كُنَّا حَمَلْنَا الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ لِنَدْفِنَهُمْ فَجَاءَ مُنَادِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ فَرَدَدْنَاهُمْ .
أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ بِالشُّهَدَاءِ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَقَالَ ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ
لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَصَابَ النَّاسَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِي قَبْرٍ " . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ نُقَدِّمُ قَالَ : " قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا " .
لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصَابَ النَّاسَ جِرَاحَاتٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا " .
