" إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةً الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَالْمُمِدَّ بِهِ " . وَقَالَ " ارْمُوا وَارْكَبُوا وَلأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ " .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ الْمَكِّيِّ النَّوْفَلِيِّ ثِقَةٌ عَالِمٌ بِالْمَنَاسِكِ مِنْ الْخَامِسَةِ. قَوْلُهُ : ( لَيَدْخُلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ) أَيْ بِسَبَبِ رَمْيِهِ عَلَى الْكُفَّارِ ( ثَلَاثَةٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ " ثَلَاثَةُ نَفَرٍ" ( صَانِعُهُ ) بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ ( يَحْتَسِبُ ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ ( فِي صَنْعَتِهِ ) أَيْ لِذَلِكَ السَّهْمِ ( الْخَيْرَ ) أَيْ الثَّوَابَ ( وَالرَّامِي بِهِ ) أَيْ كَذَلِكَ مُحْتَسِبًا , وَكَذَا قَوْلُهُ : ( وَالْمُمِدُّ بِهِ ) مِنْ الْإِمْدَادِ , قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْمُمِدُّ بِهِ أَيْ مَنْ يَقُومُ عِنْدَ الرَّامِي وَلَهُ فِينَا سَهْمًا بَعْدَ سَهْمٍ أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ النَّبْلَ مِنْ الْهَدَفِ مِنْ أَمْدَدْته بِكَذَا إِذَا أَعْطَيْته إِيَّاهُ ( اِرْمُوا وَارْكَبُوا ) أَيْ لَا تَقْتَصِرُوا عَلَى الرَّمْيِ مَاشِيًا وَاجْمَعُوا بَيْنَ الرَّمْيِ وَالرُّكُوبِ , أَوْ الْمَعْنَى اِعْلَمُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ وَتَعَلَّمُوا الرَّمْيَ وَالرُّكُوبَ بِتَأْدِيبِ الْفَرَسِ وَالتَّمْرِينِ عَلَيْهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ آخِرُ الْحَدِيثِ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : عَطْفُ وَارْكَبُوا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ وَأَنَّ الرَّامِيَ يَكُونُ رَاجِلًا وَالرَّاكِبَ رَامِحًا , فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَلَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا ) أَنَّ الرَّمْيَ بِالسَّهْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ اِنْتَهَى كَلَامُ الطِّيبِيِّ. وَقَالَ الْقَارِي : وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مُعَالَجَةَ الرَّمْيِ وَتَعَلُّمَهُ أَفْضَلُ مِنْ تَأْدِيبِ الْفَرَسِ وَتَمْرِينِ رُكُوبِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِيَاءِ , وَلِمَا فِي الرَّمْيِ مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ , وَلِذَا قَدَّمَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الرُّمْحِ أَصْلًا اِنْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي ( كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ ) أَيْ يَشْتَغِلُ وَيَلْعَبُ بِهِ ( بَاطِلٌ ) لَا ثَوَابَ لَهُ ( إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسٍ ) اِحْتِرَافٌ عَنْ رَمْيِهِ بِالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ ( وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ ) أَيْ تَعْلِيمَهُ إِيَّاهُ بِالرَّكْضِ وَالْجَوَلَانِ عَلَى نِيَّةِ الْغَزْوِ ( وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ , فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ ) أَيْ لَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ الْبَاطِلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْكَامِلُ. قَالَ الْقَارِي : وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا يُعِينُ عَلَى الْحَقِّ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ كَالْمُسَابَقَةِ بِالرِّجْلِ وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالتَّمْشِيَةِ لِلتَّنَزُّهِ عَلَى قَصْدِ تَقْوِيَةِ الْبَدَنِ وَتَطْرِيَةِ الدِّمَاغِ , وَمِنْهَا السَّمَاعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْآلَاتِ الْمُطْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ اِنْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي. قُلْت : فِي قَوْلِهِ وَمِنْهَا السَّمَاعُ إِلَخْ نَظَرٌ ظَاهِرٌ , فَإِنَّ السَّمَاعَ لَيْسَ مِمَّا يُعِينُ عَلَى الْحَقِّ , وَالسَّمَاعُ الَّذِي هُوَ فَاشٍ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَيْنَ الْمُتَصَوِّفَةِ الْجَهَلَةِ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مُعِينٌ عَلَى الْفَسَادِ وَالْبَطَالَةِ : وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ لَيْسَ مِمَّا يُعِينُ عَلَى الْحَقِّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } قَالَ : الْغِنَاءُ وَاَلَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ اِنْتَهَى. وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا هُوَ اِبْنُ مَسْعُودٍ , وَقَدْ صَرَّحَ الْحَافِظُ بِهِ فِيهِ , وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ هَذَا مُرْسَلٌ لِأَنَّهُ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ. قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَّامٍ ) الْحَبَشِيِّ الْأَسْوَدِ اِسْمُهُ مَمْطُورٌ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَزْرَقِ ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَزْرَقُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَنْهُ أَبُو سَلَّامٍ وَثَّقَهُ اِبْنُ حِبَّانَ. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ بَلَغَ الْعَدُوَّ بِسَهْمٍ رَفَعَ اللَّهُ لَهُ دَرَجَةً " , فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ النَّحَّامِ : وَمَا الدَّرَجَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أُمِّك مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ ". وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً " , رَوَاهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ اِبْنِ عَمْرٍو فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) الظَّاهِرُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ لَا إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ , وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ , وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ وَغَيْرُهَا وَفِي لَفْظِ أَبِي دَاوُدَ" وَمُنْبِلُهُ " مَكَانَ " وَالْمُمِدُّ بِهِ " قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : مُنْبِلُهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ , قَالَ الْبَغَوِيُّ : هُوَ الَّذِي يُنَاوِلُ الرَّامِيَ النَّبْلَ وَهُوَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُومَ بِجَنْبِ الرَّامِي أَوْ خَلْفَهُ يُنَاوِلُهُ النَّبْلَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى يَرْمِيَ , وَالْآخَرُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبْلَ الْمَرْمِيَّ بِهِ , وَيُرْوَى وَالْمُمِدُّ بِهِ , وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ فَعَلَ فَهُوَ مُمِدٌّ بِهِ اِنْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " مُنْبِلُهُ " أَيْ الَّذِي يُعْطِيهِ لِلْمُجَاهِدِ وَيُجَهِّزُ بِهِ مِنْ مَالِهِ إِمْدَادًا لَهُ وَتَقْوِيَةً. وَرِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ تَدُلُّ عَلَى هَذَا اِنْتَهَى. قُلْت : فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ : صَانِعَهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَبَرَ , وَاَلَّذِي يُجَهِّزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَاَلَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
