💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يَقُولُ وَأَبِي وَأَبِي ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ , يَعْنِي يُقْسِمُ بِأَبِيهِ وَيَقُولُ : وَأَبِي وَأَبِي ( فَقَالَ أَلَا ) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ ( إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : السِّرُّ فِي النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ , أَنَّ الْحَلِفَ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ , وَالْعَظَمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ , وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ , تَخْصِيصُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ خَاصَّةً , لَكِنْ قَدْ اِتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ : عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِاللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اِنْعِقَادِهَا بِبَعْضِ الصِّفَاتِ وَكَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِاللَّهِ الذَّاتَ لَا خُصُوصَ لَفْظِ اللَّهِ , وَأَمَّا الْيَمِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ الْمَنْعُ فِيهَا , وَهَلْ الْمَنْعُ لِلتَّحْرِيمِ , قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , كَذَا قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ , وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ الْكَرَاهَةُ , وَالْخِلَافُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ التَّحْرِيمُ , وَبِهِ جَزَمَ الظَّاهِرِيَّةُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ , كَذَا فِي الْفَتْحِ ( ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا ) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ , أَيْ حَاكِيًا عَنْ الْغَيْرِ , أَيْ مَا حَلَفْت بِهَا وَلَا حَكَيْت ذَلِكَ عَنْ غَيْرِي. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَا حَلَفْت بِهَا مُنْذُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْهِي عَنْهَا وَلَا تَكَلَّمْت بِهَا. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا التَّفْسِيرُ لِتَصْدِيرِ الْكَلَامِ بِ حَلَفْت , وَالْحَاكِي عَنْ غَيْرِهِ لَا يُسَمَّى حَالِفًا. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا أَيْ وَلَا ذَكَرْتهَا آثِرًا عَنْ غَيْرِي , أَوْ يَكُونُ ضِمْنَ حَلَفْت مَعْنَى تَكَلَّمْت , وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عُقَيْلٍ. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقُتَيْلَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ , وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا : " لَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ , وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ". وَأَمَّا حَدِيثُ قُتَيْلَةَ وَهِيَ قُتَيْلَةُ بِالْمُثَنَّاةِ وَالتَّصْغِيرِ بِنْتُ صَيْفِيٍّ الْأَنْصَارِيَّةُ أَوْ الْجُهَنِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ , فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ , تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت , وَتَقُولُونَ : وَالْكَعْبَةِ , فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا" وَرَبِّ الْكَعْبَةِ" , وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ" مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْت ". قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ) هُوَ إِمَامٌ مَشْهُورٌ لَهُ تَصَانِيفُ نَافِعَةٌ : مِنْهَا غَرِيبُ الْحَدِيثِ قَالَ الْحَافِظُ : اِسْمُهُ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ الْبَغْدَادِيُّ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مُصَنِّفٌ مِنْ الْعَاشِرَةِ , وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي الْكُتُبِ حَدِيثًا مُسْتَنِدًا بَلْ مِنْ أَقْوَالِهِ فِي شَرْحِ الْغَرِيبِ يَقُولُ ( لَا آثُرُهُ عَنْ غَيْرِي ) أَيْ لَا أَنْقُلُهُ عَنْ غَيْرِي , قَالَ فِي الصُّرَاحِ : الْأَثَرُ نَقْلُ كردن سخن , وَمِنْهُ حَدِيثٌ مَأْثُورٌ أَيْ يَنْقُلُهُ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ.