💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ) أَيْ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ فَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ مَنْ صَلَّى فَلَمْ يَدْرِ أَشَفَعَ أَمْ أَوْتَرَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا إِتْمَامُ صَلَاتِهِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ : وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ , إِلَّا أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُثْمَانَ وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ عَنْ مَرْوَانَ عَنْ عُثْمَانَ : وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ : قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُسَلِّمْ ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ( قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ) وَفِي لَفْظِ اِبْنِ مَاجَهْ وَمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ فَلْيَنْظُرْ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ : وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. كَذَا فِي النَّيْلِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ أَحْمَدَ السَّرْهَنْدِيُّ فِي شَرْحِهِ : وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ بَيْنَ اِبْنِ آدَمَ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَهُوَ لِبَقِيَّةِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا قَوْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ : قَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ ( وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ إِسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ. قَوْلُهُ : " وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً إِلَخْ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ كَمَا سَتَعْرِفُ. قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا ) أَيْ الْعَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ إِلَخْ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ : قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَكَّ : هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا مَثَلًا لَزِمَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ الْأَقَلُّ فَيَأْتِي عَمَلُهُ بِمَا بَقِيَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَخْ : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ , وَحَمَلُوا التَّحَرِّيَ فِي حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْأَخْذِ بِالْيَقِينِ , قَالُوا : وَالتَّحَرِّي هُوَ الْقَصْدُ وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى , { تَحَرَّوْا رَشَدًا } فَمَعْنَى الْحَدِيثِ فَلْيَقْصِدْ الصَّوَابَ فَلْيَعْمَلْ بِهِ , وَقَصْدُ الصَّوَابِ هُوَ مَا بَيَّنَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيُعِدْ ) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَهَا فِي صَلَاتِهِ , فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَقَالَ : لِيُعِدْ صَلَاتَهُ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَاعِدًا , وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَمْ يَسْمَعْ إِسْحَاقُ مِنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ اِنْتَهَى , فَلَا يَنْتَهِضُ لِمُعَارَضَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِوُجُوبِ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّهَا قَالَتْ : أَفْتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي رَجُلٍ سَهَا فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى , قَالَ : يَنْصَرِفُ ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ كَمْ صَلَّى فَإِنَّمَا ذَلِكَ الْوَسْوَاسُ يَعْرِضُ فَيُسَهِّيهِ عَنْ صَلَاتِهِ , وَفِي إِسْنَادِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرَائِفِيُّ الْجَزَرِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ , وَهُوَ كَبَقِيَّةَ فِي الشَّامِيِّينَ يَرْوِي عَنْ الْمَجَاهِيلِ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ يَزِيدَ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا فِي الْعِرَاقِيِّ كَذَا فِي النَّيْلِ. وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ إِنْ شَكَّ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى اِسْتَأْنَفَ وَإِنْ كَثُرَ تَحَرَّى وَأَخَذَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ أَخَذَ الْأَقَلَّ. وَوَجْهُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ , فَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ , وَفِي بَعْضِهَا يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَرَّى الصَّوَابَ , وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ. فَالْحَنَفِيَّةُ حَمَلُوا مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ عَرَضَ لَهُ الشَّكُّ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَرَّى الصَّوَابَ عَلَى مَا إِذَا كَثُرَ الشَّكُّ , وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ عَلَى مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ بَعْدَ التَّحَرِّي , وَمَنْ قَالَ بِالْإِعَادَةِ أَخَذَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْإِعَادَةِ , وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ لِضَعْفِهَا : وَالْجُمْهُورُ أَخَذُوا بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ وَحَمَلُوا التَّحَرِّيَ فِي حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْأَخْذِ بِالْيَقِينِ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ , وَأَقْوَى الْمَذَاهِبِ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ , قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَاَلَّذِي يَلُوحُ لِي أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ وَالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَتَحَرِّي الصَّوَابِ , وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِي اللُّغَةِ هُوَ طَلَبُ مَا هُوَ أَحْرَى إِلَى الصَّوَابِ , وَقَدْ أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ عِنْدَ عُرُوضِ الشَّكِّ , فَإِنْ أَمْكَنَ الْخُرُوجُ بِالتَّحَرِّي عَنْ ثَائِرَةِ الشَّكِّ لُغَةً وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِالِاسْتِيقَانِ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مِنْ الصَّلَاةِ كَذَا رَكَعَاتٍ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ شَرَطَ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ عَدَمَ الدِّرَايَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , وَهَذَا التَّحَرِّي قَدْ حَصَلَتْ لَهُ الدِّرَايَةُ وَأُمِرَ الشَّاكُّ بِالْبِنَاءِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ , وَمَنْ بَلَغَ بِهِ تَحَرِّيهِ إِلَى الْيَقِينِ قَدْ بَنَى عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ , وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ , وَأَنَّ التَّحَرِّيَ الْمَذْكُورَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ وَقَدْ أَوْقَعَ النَّاسَ ظَنُّ التَّعَارُضِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي مَضَائِقَ لَيْسَ عَلَيْهَا أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْمُبْتَلِي وَالرُّكْنِ وَالرَّكْعَةِ اِنْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ.