يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ
" لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْىِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ " . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لاَ تُحَرِّمُ إِلاَّ مَا كَانَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يُحَرِّمُ شَيْئًا . وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ هِيَ امْرَأَةُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ .
قَوْلُهُ : ( لَا يُحَرِّمُ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ( مِنْ الرَّضَاعِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ( إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ الَّذِي شَقَّ أَمْعَاءَ الصَّبِيِّ كَالطَّعَامِ , وَوَقَعَ مِنْهُ مَوْقِعَ الْغِذَاءِ. وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَانِ الرَّضَاعِ وَالْأَمْعَاءِ جَمْعُ مَعْيٍ وَهُوَ مَوْضِعُ الطَّعَامِ مِنْ الْبَطْنِ ( فِي الثَّدْيِ ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ فَتَقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا } أَيْ كَائِنًا فِي الثَّدْيِ , فَائِضًا مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ بِالِارْتِضَاعِ أَوْ بِالْإِيجَارِ. وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الِاشْتِرَاطُ فِي الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّدْيِ قَالَهُ الْقَارِي , وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ قَوْلُهُ فِي الثَّدْيِ أَيْ فِي زَمَنِ الثَّدْيِ وَهُوَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ , فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ مَاتَ فُلَانٌ فِي الثَّدْيِ أَيْ فِي زَمَنِ الرَّضَاعِ قَبْلَ الْفِطَامِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ( وَكَانَ ) أَيْ الرَّضَاعُ ( قَبْلَ الْفِطَامِ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ زَمَنَ الْفِطَامِ الشَّرْعِيِّ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا. وَفِي الْبَابِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَا رَضَاعَ إِلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَرُجِّحَ الْمَوْقُوفُ. وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَرَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لَا تُحَرِّمُ إِلَّا مَا كَانَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ إِلَخْ ) وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيْ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ لَا يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ. فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الرَّضَاعِ وَإِنْ كَانَ مَصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَهِيَ تُحَرِّمُ. كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَامُ الرَّضَاعَةِ الْحَوْلَانِ , فَلَا رَضَاعَةَ بَعْدَ تَمَامِهَا يُحَرِّمُ شَيْئًا. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْتَاطُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَيَقُولُ يُحَرِّمُ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَبَعْدَهَا تَمَامُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ شَهْرًا. وَلَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَنَحْنُ لَا نَرَى أَنْ يُحَرِّمَ , وَنَرَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ اِنْتَهَى كَلَامُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدُ : وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا اِحْتِيَاطَ بَعْدَ وُرُودِ النُّصُوصِ بِالْحَوْلَيْنِ , مَعَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ وَأَقْوَاهُمَا دَلِيلًا قَوْلُهُمَا اِنْتَهَى.
يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ
" يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ " .
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدَ عَلَى بِنْتِ حَمْزَةَ فَقَالَ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ
كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْجِعِي فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ أَيْضًا فَاعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّر…
أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِيَّ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي . فَرَدَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ . فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ " أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُ…
