💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَوَوْا إِلَى غَار فِي جَبَل ) الْغَار : النَّقْب فِي الْجَبَل وَ ( أَوَوْا ) بِقَصْرِ الْهَمْزَة وَيَجُوز فَتْحهَا فِي لُغَة قَلِيلَة سَبَقَ بَيَانهَا قَرِيبًا. قَوْله : ( اُنْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَة , فَادْعُوا اللَّه بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجهَا ) اِسْتَدَلَّ أَصْحَابنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَال كَرْبه , وَفِي دُعَاء الِاسْتِسْقَاء وَغَيْره بِصَالِحِ عَمَله , وَيَتَوَسَّل إِلَى اللَّه تَعَالَى بِهِ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ , وَذَكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِض الثَّنَاء عَلَيْهِمْ , وَجَمِيل فَضَائِلهمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : فَضْل بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَفَضْل خِدْمَتهمَا وَإِيثَارهمَا عَمَّنْ سِوَاهُمَا مِنْ الْأَوْلَاد وَالزَّوْجَة وَغَيْرهمْ. وَفِيهِ : فَضْل الْعَفَاف وَالِانْكِفَاف عَنْ الْمُحَرَّمَات , لَا سِيَّمَا بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهَا , وَالْهَمّ بِفِعْلِهَا , وَيَتْرُك لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا. وَفِيهِ : جَوَاز الْإِجَارَة وَفَضْل حُسْن الْعَهْد , وَأَدَاء الْأَمَانَة , وَالسَّمَاحَة فِي الْمُعَامَلَة. وَفِيهِ : إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء , وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ. قَوْله : ( فَإِذَا أَرَحْت عَلَيْهِمْ حَلَبْت ) مَعْنَاهُ : إِذَا رَدَدْت الْمَاشِيَة مِنْ الْمَرْعِي إِلَيْهِمْ , وَإِلَى مَوْضِع مَبِيتهَا , وَهُوَ مُرَاحهَا بِضَمِّ الْمِيم , يُقَال : أَرَحْت الْمَاشِيَة وَرَوَّحْتهَا بِمَعْنًى. قَوْله : ( نَأَى بِي ذَات يَوْم الشَّجَر ) وَفِي بَعْض ( نَاءٍ بِي ) , فَالْأَوَّل بِجَعْلِ الْهَمْزَة قَبْل الْأَلِف , وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَر الْقُرَّاء السَّبْعَة , وَالثَّانِي عَكْسه , وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ , وَمَعْنَاهُ ( بَعُدَ ) وَالثَّانِي ( الْبُعْد ). قَوْله : ( فَجِئْت بِالْحِلَابِ ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء , وَهُوَ : الْإِنَاء الَّذِي يُحْلَب فِيهِ , يَسَع حَلْبَة نَاقَة , وَيُقَال لَهُ , الْمِحْلَب بِكَسْرِ الْمِيم , قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يُرِيد بِالْحِلَابِ هُنَا اللَّبَن الْمَحْلُوب. قَوْله : ( وَالصِّبْيَة يَتَضَاغَوْنَ ) أَيْ : يَصِيحُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ مِنْ الْجُوع. قَوْله : ( فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي ) أَيْ : حَالِي اللَّازِمَة , وَالْفُرْجَة بِضَمِّ الْفَاء وَفَتْحهَا , وَيُقَال لَهَا أَيْضًا : فَرْج , سَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات. قَوْله : ( وَقَعْت بَيْن رِجْلَيْهَا ) أَيْ : جَلَسْت مَجْلِس الرَّجُل لِلْوِقَاعِ. قَوْلهَا : ( لَا تَفْتَح الْخَاتَم إِلَّا بِحَقِّهِ ) الْخَاتَم كِنَايَة عَنْ بَكَارَتهَا , وَقَوْله ( بِحَقِّهِ ) أَيْ : بِنِكَاحٍ لَا بِزِنًا. قَوْله : ( بِفَرَقِ أُرْز ) الْفَرَق بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَانهَا لُغَتَانِ , الْفَتْح أَجْوَد وَأَشْهَر , وَهُوَ : إِنَاء يَسَع ثَلَاثَة آصَع , وَسَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة. قَوْله : ( فَرَغِبَ عَنْهُ ) أَيْ : كَرِهَهُ وَسَخِطَهُ وَتَرَكَهُ. قَوْله : ( لَا أَغْبُق قَبْلهمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا ) فَقَوْله ( لَا أَغْبُق ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمِّ الْبَاء أَيْ : مَا كُنْت أُقَدِّم عَلَيْهِمَا أَحَدًا فِي شُرْب نَصِيبهمَا عِشَاء مِنْ اللَّبَن , وَالْغَبُوق شُرْب الْعِشَاء , وَالصَّبُوح شُرْب أَوَّل النَّهَار , يُقَال مِنْهُ : غَبَقْت الرَّجُل - بِفَتْحِ الْبَاء - أَغْبُقُهُ - بِضَمِّهَا مَعَ فَتْح الْهَمْزَة - غَبْقًا فَاغْتَبَقَ , أَيْ : سَقَيْته عِشَاء فَشَرِبَ , وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ ضَبْطه مُتَّفَق عَلَيْهِ فِي كُتُب اللُّغَة , وَكُتُب غَرِيب الْحَدِيث وَالشُّرُوح , وَقَدْ يُصَحِّفهُ بَعْض مَنْ لَا أَنَس لَهُ , فَيَقُول : أُغْبِق بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْبَاء , وَهَذَا غَلَط. قَوْله : ( أَلَمَّتْ بِهَا سَنَة ) أَيْ : وَقَعَتْ فِي سَنَة قَحْط. قَوْله : ( فَثَمَّرْت أَجْره ) أَيْ : ثَمَنه. قَوْله : ( حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَال فَارْتَعَجَتْ ) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْجِيم , أَيْ : كَثُرَتْ , حَتَّى ظَهَرَتْ حَرَكَتهَا وَاضْطِرَابهَا , وَمَوْج بَعْضهَا فِي بَعْض لِكَثْرَتِهَا , وَالِارْتِعَاج الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة , وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيث أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يُجِيز بَيْع الْإِنْسَان مَالَ غَيْره وَالتَّصَرُّف فِيهِ بِغَيْرِ إِذْن مَالِكه إِذَا أَجَازَهُ الْمَالِك بَعْد ذَلِكَ , وَوَضْع الدَّلَالَة قَوْله : ( فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعهُ حَتَّى جَمَعْت مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا ) , وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( فَثَمَّرْت أَجْره حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَال فَقُلْت : كُلّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرك مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالرَّقِيق ) وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِمَّنْ لَا يُجِيز التَّصَرُّف الْمَذْكُور بِأَنَّ هَذَا إِخْبَار عَنْ شَرْع مَنْ قَبْلنَا , وَفِي كَوْنه شَرْعًا لَنَا خِلَاف مَشْهُور لِلْأُصُولِيِّينَ , فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا فَلَا حُجَّة. وَإِلَّا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ اِسْتَأْجَرَهُ بِأُرْزٍ فِي الذِّمَّة , وَلَمْ يُسَلِّم إِلَيْهِ , بَلْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلهُ لِرَدَاءَتِهِ , فَلَمْ يَتَعَيَّن مِنْ غَيْر قَبْض صَحِيح فَبَقِيَ عَلَى مَالِك الْمُسْتَأْجِر ; لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّة لَا يَتَعَيَّن إِلَّا بِقَبْضٍ صَحِيح , ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَأْجِر تَصَرَّفَ فِيهِ وَهُوَ مِلْكه , فَصَحَّ تَصَرُّفه , سَوَاء اِعْتَقَدَهُ لِنَفْسِهِ أَمْ لِلْأَجِيرِ , ثُمَّ تَبَرَّعَ بِمَا اِجْتَمَعَ مِنْهُ مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالرَّقِيق عَلَى الْأَجِير بِتَرَاضِيهِمَا. وَاَللَّه أَعْلَم.