💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيمَنْ قَالَ فِي يَوْم : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير مِائَة مَرَّة , لَمْ يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَد عَمِلَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ) هَذَا فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيل أَكْثَر مِنْ مِائَة مَرَّة فِي الْيَوْم , كَانَ لَهُ هَذَا الْأَجْر الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث عَلَى الْمِائَة , وَيَكُون لَهُ ثَوَاب آخَر عَلَى الزِّيَادَة , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْحُدُود الَّتِي نُهِيَ عَنْ اِعْتِدَائِهَا وَمُجَاوَزَة أَعْدَادهَا , وَإِنَّ زِيَادَتهَا لَا فَضْل فِيهَا أَوْ تُبْطِلهَا , كَالزِّيَادَةِ فِي عَدَد الطَّهَارَة , وَعَدَد رَكَعَات الصَّلَاة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الزِّيَادَة مِنْ أَعْمَال الْخَيْر , لَا مِنْ نَفْس التَّهْلِيل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مُطْلَق الزِّيَادَة سَوَاء كَانَتْ مِنْ التَّهْلِيل أَوْ مِنْ غَيْره , أَوْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْره , وَهَذَا الِاحْتِمَال أَظْهَر. وَاَللَّه أَعْلَم. وَظَاهِر إِطْلَاق الْحَدِيث أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْر الْمَذْكُور فِي هَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيل مِائَة مَرَّة فِي يَوْمه , سَوَاء قَالَهُ مُتَوَالِيَة أَوْ مُتَفَرِّقَة فِي مَجَالِس , أَوْ بَعْضهَا أَوَّل النَّهَار وَبَعْضهَا آخِره , لَكِنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَأْتِي بِهَا مُتَوَالِيَة فِي أَوَّل النَّهَار , لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيع نَهَاره. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث التَّهْلِيل : ( وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَة سَيِّئَة ) وَفِي حَدِيث التَّسْبِيح : ( حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر ) ظَاهِره أَنَّ التَّسْبِيح أَفْضَل , وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيث التَّهْلِيل ( وَلَمْ يَأْتِ أَحَد أَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ ) قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَوَاب عَنْ هَذَا : إِنَّ التَّهْلِيل الْمَذْكُور أَفْضَل , وَيَكُون مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة الْحَسَنَات , وَمَحْو السَّيِّئَات , وَمَا فِيهِ مِنْ فَضْل عِتْق الرِّقَاب , وَكَوْنه حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان زَائِدًا عَلَى فَضْل التَّسْبِيح وَتَكْفِير الْخَطَايَا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه بِكُلِّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّار , فَقَدْ حَصَلَ بِعِتْقِ رَقَبَة وَاحِدَة تَكْفِير جَمِيع الْخَطَايَا مَعَ مَا يَبْقَى لَهُ مِنْ زِيَادَة عِتْق الرِّقَاب الزَّائِدَة عَلَى الْوَاحِدَة , وَمَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة مِائَة دَرَجَة , وَكَوْنه حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان , وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث بَعْد هَذَا " إِنَّ أَفْضَل الذِّكْر التَّهْلِيل " مَعَ الْحَدِيث الْآخَر : " أَفْضَل مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ. " الْحَدِيث وَقِيلَ : إِنَّهُ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم , وَهِيَ كَلِمَة الْإِخْلَاص. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَعْنَى التَّسْبِيح التَّنْزِيه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى مِنْ الشَّرِيك وَالْوَلَد وَالصَّاحِبَة , وَالنَّقَائِص مُطْلَقًا , وَسِمَات الْحُدُوث مُطْلَقًا.