💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْتنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْو , فَنَزَعْت مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ أَخَذَهَا اِبْن أَبِي قُحَافَة , فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ , وَفِي نَزْعه وَاَللَّه يَغْفِرُ لَهُ ضَعْف , ثُمَّ اِسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا اِبْن الْخَطَّاب , فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاس يَنْزِعُ نَزْع عُمَر بْن الْخَطَّاب حَتَّى ضَرَبَ النَّاس بِعَطَنٍ ) أَمَّا الْقَلِيبُ فَهِيَ الْبِئْر غَيْر الْمَطْوِيَّة. وَالدَّلْو يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَالذَّنُوب بِفَتْحِ الذَّال الدَّلْو الْمَمْلُوءَة , وَالْغَرْب بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء , وَالدَّلْو الْعَظِيمَة. وَالنَّزْع الِاسْتِقَاء. وَالضُّعْف بِضَمِّ الضَّاد وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , الضَّمُّ أَفْصَح. وَمَعْنَى ( اِسْتَحَالَتْ ) صَارَتْ وَتَحَوَّلَتْ مِنْ الصِّغَر إِلَى الْكِبَر. وَأَمَّا ( الْعَبْقَرِيّ ) فَهُوَ السَّيِّد , وَقِيلَ : الَّذِي لَيْسَ فَوْقه شَيْء. وَمَعْنَى ( ضَرَبَ النَّاس بِعَطَنٍ ) أَيْ أَرْوَوْا إِبِلهمْ ثُمَّ آوَوْهَا إِلَى عَطَنِهَا , وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُسَاقُ إِلَيْهِ بَعْد السَّقْيِ لِتَسْتَرِيحَ. قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا الْمَنَام مِثَال وَاضِح لِمَا جَرَى لِأَبِي بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي خِلَافَتهمَا , وَحُسْن سِيرَتِهِمَا , وَظُهُور آثَارهمَا , وَانْتِفَاع النَّاس بِهِمَا , وَكُلّ ذَلِكَ مَأْخُوذ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْ بَرَكَتِهِ , وَآثَار صُحْبَتِهِ. فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَاحِب الْأَمْر , فَقَامَ بِهِ أَكْمَلَ قِيَام , وَقَرَّرَ قَوَاعِد الْإِسْلَام , وَمَهَّدَ أُمُوره , وَأَوْضَحَ أُصُوله وَفُرُوعه , وَدَخَلَ النَّاس فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا , وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ } ثُمَّ تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَخَلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ " , وَهَذَا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْمُرَاد ذَنُوبَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى. وَحَصَلَ فِي خِلَافَته قِتَال أَهْل الرِّدَّة وَقَطْعِ دَابِرهمْ , وَاتِّسَاع الْإِسْلَام. ثُمَّ تُوُفِّيَ فَخَلَفَهُ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَاتَّسَعَ الْإِسْلَام فِي زَمَنه , وَتَقَرَّرَ لَهُمْ مِنْ أَحْكَامه مَا لَمْ يَقَعْ مِثْله. فَعَبَّرَ بِالْقَلِيبِ عَنْ أَمْر الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَاء الَّذِي بِهِ حَيَاتُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ , وَشَبَّهَ أَمِيرهمْ بِالْمُسْتَقِي لَهُمْ , وَسَقْيُهُ هُوَ قِيَامُهُ بِمَصَالِحِهِمْ وَتَدْبِير أُمُورهمْ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ) سَبَقَ تَفْسِيره. قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِره أَنَّهُ عَائِد إِلَى خِلَافَة عُمَر خَاصَّة