💡شرح النووي على مسلم
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّه بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَة الدُّنْيَا , وَبَيْن مَا عِنْده , فَاخْتَارَ مَا عِنْده " فَبَكَى أَبُو بَكْر وَبَكَى , وَقَالَ : فَدَيْنَاك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ : ( فَبَكَى أَبُو بَكْر وَبَكَى ) مَعْنَاهُ بَكَى كَثِيرًا , ثُمَّ بَكَى. وَالْمُرَاد بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا نَعِيمهَا وَأَعْرَاضهَا وَحُدُودهَا , وَشَبَّهَهَا بِزَهْرَةِ الرَّوْض. وَقَوْله : ( فَدَيْنَاك ) دَلِيل لِجَوَازِ التَّفْدِيَة , وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه مَرَّات. وَكَانَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْد الْمُخَيَّر , فَبَكَى حُزْنًا عَلَى فِرَاقه , وَانْقِطَاع الْوَحْي , وَغَيْره مِنْ الْخَيْر دَائِمًا. وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ عَبْدًا ) وَأَبْهَمَهُ , لِيَنْظُر فَهْم أَهْل الْمَعْرِفَة , وَنَبَاهَة أَصْحَاب الْحِذْق. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَمَنَّ النَّاس عَلَيَّ فِي مَاله وَصُحْبَته أَبُو بَكْر ) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَكْثَرُهُمْ جُودًا وَسَمَاحَة لَنَا بِنَفْسِهِ وَمَاله , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَنِّ الَّذِي هُوَ الِاعْتِدَاد بِالصَّنِيعَةِ ; لِأَنَّهُ أَذَى مُبْطِل لِلثَّوَابِ , وَلِأَنَّ الْمِنَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَبُول ذَلِكَ , وَفِي غَيْره. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْر خَلِيلًا , وَلَكِنَّ أُخُوَّةَ الْإِسْلَام ) وَفِي رِوَايَة : ( لَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي , وَقَدْ اِتَّخَذَ اللَّه صَاحِبكُمْ خَلِيلًا ) قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : أَصْلُ الْخُلَّة الِافْتِقَار وَالِانْقِطَاع , فَخَلِيلُ اللَّه الْمُنْقَطِع إِلَيْهِ. وَقِيلَ : لِقَصْرِهِ حَاجَته عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَقِيلَ : الْخُلَّة الِاخْتِصَاص , وَقِيلَ : الِاصْطِفَاء , وَسُمِّيَ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا لِأَنَّهُ وَالَى فِي اللَّه تَعَالَى , وَعَادَى فِيهِ. وَقِيلَ : سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ تَخَلَّقَ بِخِلَالٍ حَسَنَةٍ , وَأَخْلَاق كَرِيمَة , وَخُلَّة اللَّه تَعَالَى لَهُ نَصْره وَجَعْله إِمَامًا لِمَنْ بَعْده. وَقَالَ اِبْن فَوْرَكٍ : الْخُلَّة صَفَاء الْمَوَدَّة بِتَخَلُّلِ الْأَسْرَار. وَقِيلَ : أَصْلهَا الْمَحَبَّة , وَمَعْنَاهُ الْإِسْعَاف وَالْإِلْطَاف , وَقِيلَ : الْخَلِيل مَنْ لَا يَتَّسِعُ قَلْبه لِغَيْرِ خَلِيله. وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ حُبَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يُبْقِ فِي قَلْبه مَوْضِعًا لِغَيْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي : وَجَاءَ فِي أَحَادِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّه " فَاخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ هَلْ الْمَحَبَّة أَرْفَعُ مِنْ الْخُلَّة , أَمْ الْخُلَّة أَرْفَع ؟ أَمْ هُمَا سَوَاء ؟ فَقَالَتْ طَائِفَة : هُمَا بِمَعْنًى , فَلَا يَكُونُ الْحَبِيبُ إِلَّا خَلِيلًا , وَلَا يَكُونُ الْخَلِيل إِلَّا حَبِيبًا , وَقِيلَ : الْحَبِيب أَرْفَع , لِأَنَّهَا صِفَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ : الْخَلِيل أَرْفَعُ , وَقَدْ ثَبَتَتْ خُلَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْحَدِيث , وَنَفَى أَنْ يَكُون لَهُ خَلِيل غَيْره , وَأَثْبَتَ مَحَبَّته لِخَدِيجَةَ , وَعَائِشَةَ وَأَبِيهَا , وَأُسَامَة وَأَبِيهِ , وَفَاطِمَة وَابْنَيْهَا , وَغَيْرهمْ. وَمَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِعَبْدِهِ تَمْكِينه مِنْ طَاعَته , وَعِصْمَته , وَتَوْفِيقه , وَتَيْسِير أَلْطَافه , وَهِدَايَته , وَإِفَاضَة رَحْمَته عَلَيْهِ. هَذِهِ مَبَادِيهَا , وَأَمَّا غَايَتُهَا فَكَشْفُ الْحُجُب عَنْ قَلْبه حَتَّى يَرَاهُ بِبَصِيرَتِهِ , فَيَكُون كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح : " فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعه الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ , وَبَصَره " إِلَى آخِره. هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَأَمَّا قَوْل أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : سَمِعْت خَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا يُخَالِف هَذَا ; لِأَنَّ الصَّحَابِيّ يَحْسُنُ فِي حَقّه الِانْقِطَاع إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِد خَوْخَة إِلَّا خَوْخَة أَبِي بَكْر ) الْخَوْخَة بِفَتْحِ الْخَاء , وَهِيَ الْبَاب الصَّغِير بَيْن الْبَيْتَيْنِ. أَوْ الدَّارَيْنِ , وَنَحْوه. وَفِيهِ فَضِيلَة وَخِصِّيصَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَسَاجِد تُصَانُ عَنْ تَطَرُّق النَّاس إِلَيْهَا فِي خَوْخَات وَنَحْوهَا إِلَّا مِنْ أَبْوَابهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ مُهِمَّةٍ.