💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا ثَلَاث كَذَبَات : ثِنْتَيْنِ فِي ذَات اللَّه تَعَالَى : قَوْله إِنِّي سَقِيم , وَقَوْله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَوَاحِدَة فِي شَأْن سَارَة وَهِيَ قَوْله : إِنْ سَأَلَك فَأَخْبِرِيهِ أَنَّك أُخْتِي , فَإِنَّك أُخْتِي فِي الْإِسْلَام ) , قَالَ الْمَازِرِيّ : أَمَّا الْكَذِب فِيمَا طَرِيقه الْبَلَاغ عَنْ اللَّه تَعَالَى فَالْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ مِنْهُ , سَوَاء كَثِيره وَقَلِيله , وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغِ , وَيُعَدُّ مِنْ الصِّفَات كَالْكَذْبَةِ الْوَاحِدَة فِي حَقِيرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَفِي إِمْكَان وُقُوعه مِنْهُمْ وَعِصْمَتِهِمْ مِنْهُ الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ لِلسَّلَفِ وَالْخَلَف. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الصَّحِيح أَنَّ الْكَذِب فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغِ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعه مِنْهُمْ , سَوَاء جَوَّزْنَا الصَّغَائِر مِنْهُمْ وَعِصْمَتهمْ مِنْهُ , أَمْ لَا , وَسَوَاء قَلَّ الْكَذِب , أَمْ كَثُرَ ; لِأَنَّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ يَرْتَفِعُ عَنْهُ , وَتَجْوِيزه يَرْفَعُ الْوُثُوق بِأَقْوَالِهِمْ. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثِنْتَيْنِ فِي ذَات اللَّه تَعَالَى وَوَاحِدَة فِي شَأْن سَارَة ) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْكَذَبَات الْمَذْكُورَة إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَهْم الْمُخَاطَب وَالسَّامِع , وَأَمَّا فِي نَفْس الْأَمْر فَلَيْسَتْ كَذِبًا مَذْمُومًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ وَرَّى بِهَا , فَقَالَ فِي سَارَة : أُخْتِي فِي الْإِسْلَام , وَهُوَ صَحِيح فِي بَاطِن الْأَمْر , وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى تَأْوِيل اللَّفْظَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَا تَوْرِيَةَ فِيهِ لَكَانَ جَائِزًا فِي دَفْع الظَّالِمِينَ , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ ظَالِم يَطْلُب إِنْسَانًا مُخْتَفِيًا لِيَقْتُلَهُ , أَوْ يَطْلُب وَدِيعَة لِإِنْسَانٍ لِيَأْخُذَهَا غَصْبًا , وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ , وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إِخْفَاؤُهُ وَإِنْكَار الْعِلْم بِهِ , وَهَذَا كَذِب جَائِز , بَلْ وَاجِب لِكَوْنِهِ فِي دَفْع الظَّالِم , فَنَبَّهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَذَبَات لَيْسَتْ دَاخِلَة فِي مُطْلَق الْكَذِب الْمَذْمُوم. قَالَ الْمَازِرِيّ : وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضهمْ هَذِهِ الْكَلِمَات , وَأَخْرَجَهَا عَنْ كَوْنهَا كَذِبًا , قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِلِامْتِنَاعِ مِنْ إِطْلَاق لَفْظ أَطْلَقَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : أَمَّا إِطْلَاق لَفْظ الْكَذِب عَلَيْهَا فَلَا يُمْتَنَعُ لِوُرُودِ الْحَدِيث بِهِ , وَأَمَّا تَأْوِيلُهَا فَصَحِيحٌ لَا مَانِع مِنْهُ. قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْوَاحِدَة الَّتِي فِي شَأْن سَارَة هِيَ أَيْضًا فِي ذَات اللَّه تَعَالَى ; لِأَنَّهَا سَبَبُ دَفْعِ كَافِرٍ ظَالِمٍ عَنْ مُوَاقَعَة فَاحِشَة عَظِيمَة , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي غَيْر مُسْلِم , فَقَالَ : مَا فِيهَا كَذْبَة إِلَّا بِمَا حَلَّ بِهَا عَنْ الْإِسْلَام أَيْ يُجَادِلُ وَيُدَافِعُ. قَالُوا : وَإِنَّمَا خَصَّ الِاثْنَتَيْنِ بِأَنَّهُمَا فِي ذَات اللَّه تَعَالَى لِكَوْنِ الثَّالِثَة تَضَمَّنَتْ نَفْعًا لَهُ , وَحَظًّا مَعَ كَوْنهَا فِي ذَات اللَّه تَعَالَى. وَذَكَرُوا فِي قَوْله : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أَيْ سَأَسْقُمُ لِأَنَّ الْإِنْسَان عُرْضَة لِلْأَسْقَامِ , وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاعْتِذَار عَنْ الْخُرُوج مَعَهُمْ إِلَى عِيدهمْ , وَشُهُود بَاطِلهمْ وَكُفْرهمْ. وَقِيلَ : سَقِيم بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنْ الْمَوْت. وَقِيلَ : كَانَتْ تَأْخُذُهُ الْحُمَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْت. وَأَمَّا قَوْله ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) فَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَطَائِفَة : جُعْل النُّطْق شَرْطًا لِفِعْلِ كَبِيرهمْ , أَيْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. وَقَالَ الْكَسَائِيّ : يُوقَفُ عِنْد قَوْله : بَلْ فَعَلَهُ أَيْ فَعَلَهُ فَاعِله , فَأَضْمَرَ , ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ : كَبِيرُهُمْ هَذَا , فَاسْأَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْفَاعِل. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرهَا , وَجَوَابهَا مَا سَبَقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( فَلَك اللَّهُ ) أَيْ شَاهِدًا وَضَامِنًا أَنْ لَا أَضُرَّك. قَوْله : ( مَهْيَم ) بِفَتْحِ الْمِيم وَالْيَاء وَإِسْكَان الْهَاء بَيْنهمَا أَيْ مَا شَأْنُك وَمَا خَبَرُك ؟ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ لِأَكْثَر الرُّوَاة ( مَهِيمًا ) بِالْأَلْفِ , وَالْأَوَّل أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ. قَوْلهَا : ( وَأَخْدَمَ خَادِمًا ) أَيْ وَهَبَنِي خَادِمًا , وَهِيَ هَاجَرَ , وَيُقَال : آجَرَ بِمَدِّ الْأَلْف. وَالْخَادِمُ يَقَع عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى. قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاء السَّمَاء ) قَالَ كَثِيرُونَ : الْمُرَاد بِبَنِي مَاء السَّمَاء الْعَرَب كُلّهمْ , لِخُلُوصِ نَسَبِهِمْ , وَصَفَائِهِ. وَقِيلَ : لِأَنَّ أَكْثَرهمْ أَصْحَاب مَوَاشِي , وَعَيْشهمْ مِنْ الْمَرْعَى وَالْخِصْب , وَمَا يَنْبُتُ بِمَاءِ السَّمَاء. وَقَالَ الْقَاضِي : الْأَظْهَر عِنْدِي أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْأَنْصَار خَاصَّة , وَنِسْبَتُهُمْ إِلَى جَدّهمْ عَامِر بْن حَارِثَة بْن اِمْرِئِ الْقَيْس بْن ثَعْلَبَة بْن مَازِن بْن الْأَدَد وَكَانَ يُعْرَفُ بِمَاءِ السَّمَاء , وَهُوَ الْمَشْهُور بِذَلِكَ , وَالْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ مِنْ وَلَد حَارِثَة بْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو بْن عَامِر الْمَذْكُور. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِإِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.